الأعيان المشاهير من علمائنا صرَّحوا بأكملية الرواية عن حفظ ، ودليله غير واضح ؛ إذ ما استُدلّ به هو الأمن من التغيير ، وهو مشترك كالاحتمال .
فإن قال : السقط والتحريف والزيادة والنقصان محتملات ، قيل له : السهو والخطأ والاشتباه محتملات . فإن قال : أصالات العدم تدفعها ، قيل له : الاشتراك قاطع للكلام ، وليس دليل الاعتبار يفرق بينهما في مجريها .
وينبغي أن يراعى حال الراوي والسامع والكتاب ومقامهما من التورّع والتديّن وعدم غلبة حبّ الرئاسة ؛ فإنّ جهات الترؤّس كثيراً ما تؤدّي إلى الضلال والإضلال والتساهل والتسامح في أمر الدين وإبرازِ المظنون بصورة المقطوع والمتيقّن بصورة المشكوك ، وكذلك العصبيّة ؛ وفي الخبر : « هلك المترئِّسون » وفي آخَرَ في صفة الشيطان : « فعدوّ اللَّه إمام المتعصّبين » « 1 » ولا يُتوصّل إلى الحقِّ إلّا بعد الرياضة ؛ فقد نُقل أنّ يحيى بن حسّان رأى قوماً معهم جزء سمعوه من عبد اللَّه بن لهيعة المصريّ ، فنظر فيه فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة ، فجاء إليه فأخبره بذلك ، فقال : ما أصنع ؟ يجيئوني بكتاب فيقولون : هذا من حديثك ! فاحدّثُهم به . « 2 » وقد تساهل غيره في غيرها ، فأبان اللَّه فضائحهم .
وهيهنا فوائد :
[ الفائدة ] الأولى : الضرير إن حَفِظَ شيئاً ، وإلّا يستعين بثقة في ضبط كتاب الشيخ أو كتابة مضبوطة ، ويجب عليه مراعاة الاحتياط إذا قرئ عليه حتّى يغلب على ظنّه عدم التغيير ؛ لانسداد سبيل العلم بالنسبة إليه - حيثما ينسدّ - ومشاركته مع غيره فيما يشترك ، ومثله الامّي .
[ الفائدة ] الثانية : الراوي إذا سمع كتابا فأراد روايته من غير حفظه فالنسخة التي
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، خطبة القاصعة ( 234 ) ، ص 776 .
( 2 ) . الدراية ، ص 110 .