وروي أنّ المعتصم العبّاسي خليفة بغداد وجّه إلى مجلس عاصم بن عليّ بن عاصم في رحبة النخل في جامع الرّصافة مَن يحرز عدد الجلساء ، فحرز المجلس عشرين ألفاً ، وفي نسخةٍ مئة ألف وعشرين ألفاً ، وكان يجلس عاصم في بعض مسقفات المسجد ويبثّ « 1 » الناس في الرحبة وما يليها ، فتكثّر الناس ، حتّى سمع يوماً يستعاد اسم رجل في الأسناد أربع عشر مرّة ، « 2 » وقد شاهدتُ مجلس شيخنا المحقّق - طاب ثراه - وقد ينيف على سبعمئة في جامع الهندي بالغريّ ، ويقرب منه بل يُضاهيه مجلس السيد السند العماد الأستاد - أدام اللَّه أيّامه - .
ولا يشترط رؤية المحدّث ، فلو عرف من جهة القرائن صحّ التحديث عنه ، وهذا أمرٌ مقطوع به ؛ فإنّ العميان كانوا يروون عن أهل الحديث من دون نكير ، وروى جماعة من الصحابة والتابعين عن نساء النبيّ مع أنّهن ما كُنّ لتتكلّمن إلّا مِن وراء الحجاب ، وقد وسوس بعض محدّثي العامّة فلم يجوّز حتّى قال :
« إنّك إذا لم تَرَ وَجْه المحدِّث فلا تروِ عنه ؛ فلعلّه شيطان صوّر بصورته ، يقول :
حدّثنا وأخبرنا » . وهذا كما ترى ؛ فإنّ ذلك الاحتمال قائمٌ مع الرؤية ، والعجب من هؤلاء يحركون تلك الأباطيل ، ويموّهون على الناس ، ويعتمدون مع ذلك على رواية مثل أبي هريرة ومغيرة بن شعبة الزاني وأبي سفيان وابنه معاوية وعمرو بن العاص الزهري ويحيى بن أكثم اللاطي ، ومقاتلُ بن سليمان ، حتى قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : مقاتل بن سليمان كان دجّالًا جسوراً ، ولو أحيط برجالهم لعلم ما هم عليه ، ولكن غشي على أبصارهم وأخذ ببصائرهم ؛ رماهم اللَّه بعاصف .
هامش
( 1 ) . في « م » : ينتشر .
( 2 ) . الدراية ، ص 92 ، وفيه بقيةٌ هذا لفظه : والناس لا يسمعون ، فلما بلغ المعتصم كثرة الجمع أمر منيحرزهم فحرزوا المجلس عشرين ومئة ألف ، ثمّ خمدت نار العلم وبار وولّت عساكره .فكأنّه برق تألّق بالحمى * ثمّ انطوى فكأنّه لم يلمع