وأجاب ، ولايمنعني هذا من درك مطالبه ولا الإحاطةِ بفوائده ، حتّى أنّي كثيراً ما كنت املي لغيري بعد الفراغ عن القراءة .
فقد رُوي أنّ الدارقطني حضر في حداثته مجلس الصفّار فجعل ينسخ جزءاً كان معه والصفّار يملي ، فقال له بعض من حضر : لا يصحّ سماعُك وأنت تنسخ ! فقال : فهمي للإملاء خلاف فهمك . ثمّ قال : « تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن ؟ » فقال : لا ، فقال الدارقطني : أملى ثمانية عشر حديثاً . قال بعض من حضر : فعددتها فوجدتها كما قال . ثمّ قال الدارقطني : « الحديث الأوّل عن فلاند ومتنه كذا » ، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء ، حتّى أتى على آخرها ، فتعجّب الناس منه . « 1 »
وللشيخ أن يجيز للسامعين بعد الفراغ من القراءة عن حفظ أو أصل وإن جرى السماع على الكلّ ؛ لاحتمال غفلة الشيخ أو غلط الراوي فيسدّ بالإجازة ، والقانون في تلك الإجازة أن يكتب الشيخ : « سَمِعه منّي » أو « أجزت له روايته عنّي » . وقد يكون محضر القراءة ومجلس الدرس عظيماً مزدحماً فيه ، ولا يصل صوته إلى الجميع ، فلو كان بينهم مُملئ ، صحّ أن يروي المستملئ عن المُملئ ؛ لقيام القرينة على صدقه ، وقيل : « يرويه عن المحدّث » ، وفيه نظر ؛ لأنّه خلاف الواقع ، ولا طريق له إلّابواسطة ، فإسقاطها كذب وتدليس . وكان فيما سلف تزدحم الرجال إلى محافل العلماءِ ومجالس دروسهم ، فقد روي أنّ صاحب بن عبّاد كان يجلس للإملاء ، ويحضره عند جمٌّ غفير ، وكان لا يغني المستملئ الواحد ولا يقوم بأملهم « 2 » فانضاف إليه ستّةٌ [ كلّ يُبلِّغ صاحبه « 3 » ] . « 4 »
هامش
( 1 ) . الدراية ، ص 91 ؛ الباعث الحثيث ، ص 116 .
( 2 ) . في المصدرين « بالإملاء » بدل « بأملهم » .
( 3 ) . نقلنا هذه الإضافة من كتاب الرعاية .
( 4 ) . تنقيح المقال ، ج 1 ، ص 135 : الرعاية ، ص 253 .