منهم بأوّل قارورة ؛ مع أنّها معارضة لصريح العقل وقويّ الرأي ، فإنّ العقل أوجب انحصار الموجود في الواجب والممكن ولا ثالث لهما قطعاً ، وإذا ثبت بالبرهان وحدة الواجب فكلّ ما سواه من الذرّة إلى الدرّة من المجرّدي والمادّي - كائناً ما كان - ممكن بالإمكان الواقعيّ ، وله ماهيّةٌ قابلة للوجود ، وكلّ ممكن فهو جائز العدم والزوال والفناء والاضمحلال . وهذه قضيّة قياسها معها ، فلا تذهل .
قوله عليه السلام : ( وَبِعِلْمِكَ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ ) مسألة العلم معركة آراء الحكماء ومطرح أنظار العقلاء ، واستقصاء المقال فيه يوجب العسرة والكلال ، واستقراء ما قيل وما يقال فيه يورث الحيرة والضلال ، فالاقتصار على المختار أولى ، والاكتفاء على المشتار أحرى .
فنقول : في إثبات العلم له طريقان :
الأوّل للمتكلّم ، وهو أنّه تعالى فاعل أفعالٍ محكمة متقنة يتحيّر فيها العقول والأوهام ، وكلّ من كان كذلك فهو عالم ، أمّا الكبرى فبالضرورة ؛ فإنّ من رأى خطوطاً مليحة حسنةً ، أو سمع ألفاظاً بليغةً طيّبةً مُنبئة عن معان دقيقة وأغراض شريفة ، أو شاهد نقوشاً رشيقةً بديعةً ، علم قطعاً وقطع يقيناً أنّ فاعلَها وصانِعَها عالمٌ علماً كاملًا .
وأمّا الصغرى فغنيّةٌ عن البيان ، وبطريق أوفى : إنّ العلم كمال مطلق لمطلق الوجود بما هو موجود ، وكلّما كان كمالًا لا يكون ممتنعاً للواجب تعالى ، وكلُّ ما لا يمتنع عليه فهو واجب الحصول ؛ إذ ليس له سبحانه قوّة إمكانيّة وحالة منتظرة ، وإلّا لكان تعالى فاقداً في حدّ ذاته لذلك الكمال ، وفقد الكمال نقصٌ - تعالى شأنه عن ذلك - فهو تعالى عالم بذاته يدرك ذاته بذاته لا بأمر زائد ، ويدرك جميع الأشياء من الدرّة إلى الذرّة من الأزل إلى الأبد بما كان وما يكون بأسبابها ومسبّباتها ، وبتجدّدها وثباتها ودوامها وتصرّمها دفعة واحدة ، بالإشراق الحضوري
ميراث حديث شيعه — صفحة 217
مساهمون: مهدى مهريزى
ص٢١٧