مصدراً للآثار ، كما في المخلوقات . وهذه المفاهيم والاعتبار العقليّة لا يوجب تكثّراً في الذات ، ولا انحلّ بوحدانيّة الصرفة الخالصة أصلًا ، بل تزيد وحدة ، وهذا هو معنى قول سيّد العارفين والموحدين : « كمال الإخلاص نفي الصفات عنه » « 1 » .
وما قد يقال : إنّ العالِم ذاتٌ ثَبَت له العلم وكذا ساير المشتقّات ، فهو كلام ظاهريّ وجمودٌ على اللفظ ، وخروج عن طور المعرفة .
ولو سلّم فنقول : ثبوت المبدأ في المشتقّ أعمّ من كونه عين المثبت له أو غيره ، والأوّل يسمّى الحقيقيّ والثاني المشهوديّ كالأبيض ، فإنّ الأبيض الحقيقيّ هو البياض نفسه ، والمشهوديّ ذاتٌ ثبت له البياض وهو غيره ؛ فافهم واستقم .
ولو قلنا : بأنّ المراد من العلم المحيط - المذكور في هذه الفقرة الشريفة - هو العقل والروح المحمدي ، الذي فيه صورة كلّ شيء ومثال كلّ موجود ، لم يكن بذلك البعيد بحكم الازدواج ؛ فتأمّل .
( وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَضَاءَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) .
النور والضوء مترادفان ، ويعرّفان : بالظاهر بنفسه المظهِر لغيره ؛ والفرق بينهما بأنّ الضوء ذاتيّ والنّور عرضي ، لقوله تعالى :
« جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً »
« 2 » غير مطّرد .
والمراد بالنور هنا هو العيني الوجودي لا العرضيّ الكيفيّ ، فإنّ التعريف المذكور حقٌ للوجود الحقيقيّ إذ هو النور المشرق على المواد الظلمانيّة ، والضوء المتبلّج على الهيئات الغيهابيّة « 3 » من النور الأوّل المحمّدي صلى الله عليه وآله والضوء الأقدم الأحمديّ ، فخرج الكلّ من الظلمة إلى النور ، وصار الكلّ ذا ضوءٍ وظهورٍ ، تطفّلًا
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، خ 1 . قال : « وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه » .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 5 .
( 3 ) . الغَيْهَبْ : الظلمة ، ومن الليل : الشديد الظلمة .