ومِن رحمته الواسعة ستر العيوب التي لو علم بها أبواك لفارقاك ، ولو علم بها امرأتك لجفتك ، ولو علم بها جارك لأقدم بها على تخريب دارك .
ثُمّ إنّ الذي عليه الحقّ والحقيقة - آخذاً من أخبار أهل بيت النبوّة وآثار مواضع الرسالة - : إنّ حقيقة الرحمة - بكلا المعنيين - هي الحقيقة المحمّديّة والدوحة الأحمديّة . وكفى فيه قوله تعالى :
« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ »
« 1 » . والجمع المحلّى باللام يفيد العموم ، فمساقه مساق ربّ العالمين . والمفهوم من قوله تعالى :
« ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً »
« 2 » أنّه تعالى اتّخذ الهادين أعضاداً وأشهاداً لخلقه ؛ والمراد بالعضد الواسطة والشفيع .
وفي الزيارة الجامعة المأثورة : « أنتم الرحمة الموصولة » « 3 » - باللَّه تعالى شأنه وتقدّست أسماؤه - فمحمد صلى الله عليه وآله وآل محمّد عليهم السلام هم الرحمة الموصولة الواسعة الجامعة بين الخالق والمخلوق ، في إيصال نور الوجود وضوء الفعليّة إلى الماهيّات والموادّ الإمكانية ، ولولاهم لبقيت الكلّ في ظلمة العدم وغسق البطلان ، ولَما خلق الأفلاك ، ولَما نزل الخيرات والبركات ، ومن هذه السعة في الرحمة يقول ويستصرخ يوم القيامة : « وا أمّتي » والناس كلّهم يستصرخون : « وا نفسي » « 4 » .
والنبيّ والوليّ هما للَّهتعالى اليدان المبسوطتان اللّتان ينفق بهما كيف يشاء .
فعلى هذا ، الرحمة بمعنى المرحوم ، وإضافته إلى اللَّه تعالى لاختصاصه به تعالى بمظهريّته له وكونِه مرآةً لجماله وجلاله ، وأنّ من رآه فقد رأى الحق ،
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 107 .
( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 51 .
( 3 ) . الفقيه 2 : 372 ، زيارة جامعة لجميع الأئمة .
( 4 ) . لم نعثر على نصه ، والموجود في سنن الترمذي 4 : 622 باب 10 « إنّ الأنبياء كلّهم يوم القيامة يقولون : نفسينفسي ، والنبي صلى الله عليه وآله يقول : أمّتي أمّتي » .