أيضا ، ومن هنا فلم يستطع أحد من أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أن يروي أو يكتب ما سمعه من
النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بل ألقوا ما كتبوا من الأحاديث في الماء أو أحرقوها بالنار ، وتبريرا لما فعلوه
تجاه الحديث وتثبيتا لهذه الخطيئة الغير علمية اختلقوا أحاديث ونسبوها إلى رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) . نحو : ( لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ( 1 ) ( 2 ) .
المنع في عهد أبي بكر :
إن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) شيئا ،
فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ( 3 ) .
وقالت عائشة : جمع أبي الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكانت خمسمائة حديث
فبات ليلة يتقلب كثيرا . قالت : فغمني فقلت : أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك ؟ فلما أصبح
قال : أي بنية ! هلمي بالأحاديث التي عندك ، فجئته بها ، فدعا بنار فحرقها . فقلت : لم
أحرقتها ؟ قال : خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته
ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذلك ( 4 ) .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم 4 : 2298 كتاب الزهد والرقاق باب ( 16 ) باب التثبت في الحديث ح 72 .
( 2 ) والدليل على كون هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة والمختلقة هو عدم تمسك
أبي بكر وعمر به ، وسوف تقرأ في الفصول الآتية بأن أبا بكر وعمر قد تذرعا بمعاذير واهية
واستدلا على منعهما نقل أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتدوينها بأدلة تافهة وحجج ركيكة ، ولو كان
هذا الحديث مما قد ورد عن رسول الله حقا لتمسكا به في توجيه غايتهما ، وأضف على هذا ،
ولو سلمنا صحة الحديث لكان الإمام مالك بن أنس ( الموطأ ) والإمام أحمد بن حنبل
( المسند ) ومؤلفو الصحاح والسنن والمسانيد هم أول من خالفوا أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأسرعوا
بعمل نهى عنه النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
ولذا ترى أن علماء أهل السنة استنكروا صدور هذا الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو أنهم ادعوا
صدوره واختصاصه بمجالات خاصة .
( 3 ) تذكرة الحفاظ للذهبي 1 : 3 .
( 4 ) المصدر : 5 .