ولمّا دخل عمر الشام ، تلقّاه معاوية في موكب عظيم ؛ فقال فيه عمر : « هذا كسرى العرب » . فلمّا دنا منه ، قال له : « أنت صاحب الموكب العظيم » ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ! قال : مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك ؟ قال : مع ما يبلغك من ذلك ؛ قال : « ولم تفعل هذا ! » قال : نحن بأرض جواسيس العدوّ بها كثير ، فيجب أن نظهر من عزّ السلطان ما نرهبه . . . « 1 » الحديث .
ولمّا استخلف عثمان ، جمع له الشام ، وأرخى له زمامه ، فانطلق معاوية على سجيّته ، لا يردعه عمّا يشتهيه رادع .
ومن قصصه في الشام ما كان بينه وبين عبادة بن الصامت الخزرجيّ أحد نقباء الأنصار ، وكان أحد خمسة جمعوا القرآن على عهد رسول اللّه « 2 » ( ص ) ؛ فقد أرسله عمر بن الخطّاب في إمارة يزيد بن أبي سفيان إلى الشام ليعلّم الناس القرآن ؛ فأقام بحمص حتّى إذا مات يزيد وولي بعده معاوية ، سار في جنده .
روى مسلم « 3 » أنّ معاوية غزا غزاة كان فيها عبادة بن الصامت ، فغنموا فيما غنموا آنية من فضّة ، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس ، فتسارع الناس إلى ذلك - وفي تهذيب ابن عساكر : فباع الإناء بمثلي ما فيه أو نحو ذلك - فبلغ عبادة ابن الصامت ؛ فقام فقال : إنّي سمعت رسول اللّه ( ص ) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة . . . إلّا سواء بسواء وعينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى .
فردّ النّاس ما أخذوه ؛ فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدّثون عن رسول اللّه أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ؛ فقام عبادة بن
هامش
( 1 ) - ترجمة معاوية في الاستيعاب 1 / 253 والإصابة 3 / 413 . وبتاريخ ابن كثير 8 / 120 بتفصيل أوفى .
( 2 ) - شهد عبادة مشاهد رسول اللّه ( ص ) كلها وعاش إلى سنة أربع وثلاثين ، وتوفّي بالرملة أو ببيت المقدس ، ودفن هناك . ترجمته في الاستيعاب ص 412 ، وأسد الغابة 3 / 106 ، وتهذيب ابن عساكر 7 / 206 - 214 ، والإصابة 2 / 260 وسير أعلام النبلاء 2 / 1 - 5 .
( 3 ) - صحيح مسلم 5 / 46 ، وتهذيب ابن عساكر 5 / 212 . وقد أوردته ملخّصا من صحيح مسلم .