وهذه القصيدة تمثل مذهب الشريف في الوصف أصدق تمثيل ، فهي في الأصل نظمت في وصف فرخ الحمام ، ولكن فرخ الحمام مع ذلك جاء فرعا ولم يجئ أصلا ، فقد شغل الشاعر نفسه بوصف مناخ العيس وحولها الركب الطليح ، وشاءت له الشاعرية أن يصف ذلك المنظر أجمل وصف ، فلما وصل إلى فرخ الحمام لم يشغل نفسه بوصفه إلا قليلا .
وهنا نجد الأدلة التي تساعد على الحكم بالقول الفصل ، فالشريف شاعر وصاف ، ولكن الوصف عنده لا يقع إلا عن طريق الاستطراد .
وقد حدثناكم منذ أشهر يوم تكلمنا عن العلا والمعالي في قصائد الشريف أن جامع الديوان عنون إحدى قصائده بوصف الأسد ، ثم أريناكم أنه ما ما وصف الأسد ، وإنما وصف نفسه ، أعني أنه شبه نفسه بالأسد فساقه ذلك إلى وصف الأسد عن طريق الاستطراد .
وأنتم تذكرون أنه قال :
سيرعب القوم مني سطو ذي لبد * له بعثر أعراس وولدان
لا يطعم الطعم إلا من فريسته * إن يعدم القرن يوما فهو طيان
ماشى الرفاق يراعي أين مسقطهم * والسمع منتصب والقلب يقظان
إلى آخر الوصف .
وكذلك يفعل الشريف في أكثر الأوصاف ، فمن أراد أن يعرف قدرته الوصفية فليتابعه حيث استطرد ، فهنالك قدرته على التصوير والتلوين .
ومن شواهد ذلك قصيدته البائية في وصف الركب ، ركب
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 200
مساهمون: زكي مبارك
ص٢٠٠