قال الكاهن : إلهي هو ذات إلهك ، فهو خالق السماء والأرض وكلّ ما فيهما ، ونحن جميعنا بنوه .
قال الشيخ : أنتم معشر النصارى تعبدون ثلاثة آلهة ، فإنّكم من المشركين .
فعندما سمع الأب هذه الكلمات المجحفة بحقّ دينه رفع ألحاظه إلى العلى ، وطلب من ربّ الأنوار أن يمنحه عضداً وعوناً كيلا تسقط بذور كلامه في أرض قاحلة .
ثمّ قال : يا شيخ العرب ، إنّك بين الإسلام لفي رتبة رفيعة ومقام سام وسلطة ذات شأن ، حزتها بالعلم ، وجاهدت بقوّة ذكية لتحصيله ، فقل لي - ناشدتك اللَّه - : هذه القوّة ، ما اسمها ؟
- اسمها : العقل .
للَّهدرّه من جواب بليغ ! ولعمرك قد تشعر بالشهوات أحياناً ، وقد أسعرت في قلبك حرباً عواناً ، فتدنوا منك الأشواق مزدانة بزيّها الخدّاع ، وربّما أوشكت إرضاء رغائب الشهوة . إنّما سمعت كصوت باطني يحدّثك : لا تأتي المنكر فهو حرام ، فقاومت أميالك وكلّل الظفر مسعاك ! فما اسم هذه القوّة ؟
- هي الإرادة .
- نعم الجواب ! ولا أشكّ أنّك تذكر أيّام الشباب وطيب العيش ، كما تتصوّر أحياناً صوراً هائلة وحوادث محزنة ، فتارة والدة طريحة الفراش في ساعتها الأخيرة ، وأُخرى صديقاً في وداعه الأخير ، وهكذا تعيش من ماضي الزمان وغابر الأيّام ، فما تدعو هذه القوّة التي تخيّل لك هذه المخيّلات المختلفة عذبة تارةً ومزعجة أُخرى ؟
- أدعوها : الذاكرة .
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 308
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٣٠٨