الخارقة عادة العرب .
وذلك أنّهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام ، قد خصّوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأُمم ، وأُوتوا من ذرابة اللسان « 1 » ما لم يؤت إنسان ، ومن فصل الخطاب ما يقيّد الألباب .
جعل اللَّه لهم ذلك طبعاً وخلقة ، وفيهم غريزة وقوّة .
منهم البدوي ذو اللفظ الجزل ، والقول الفصل ، والكلام الخفم والطبع الجوهري والمنزع القوي .
ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرّف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق الرقيق الحاشية .
ولكليهما في البلاغة الحجّة البالغة والقوّة الدامغة ، والقدح الفالج والمهيع الناهج .
لا يشكّون أنّ الكلام طوع مرادهم والبلاغة ملك قيادهم . قد حووا فنونها واستنبطوا عيونها .
فقالوا في الخطير والمهين وتفنّنوا في الغثّ والسمين ، وتقاولوا في القلّ والكثّر وتساجلوا في النظم والنثر .
فما راعهم إلّارسول كريم بكتاب عزيز :
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ »
« 2 » ، أُحكمت آياته وفصّلت كلماته ، تبارت في
هامش
( 1 ) الذَرِب : الحديد اللسان ، وذرب اللسان : حدّته . ( تاج العروس 2 : 429 ) .
( 2 ) سورة فصّلت 41 : 42 .