وحثالة من البيان إلى وجوه إعجازها وعيون بلاغتها ، هي من الآيات التي لم يتعرّضوا لها ولا خاضوا فيها ولا أشاروا إليها ، كآية النور وكثير ممّا تقدّمها .
وهذا ممّا يدلّك على عظيم الشأن لهذا القرآن ، وأنّه بحر عجّاج متلاطم الأمواج ، لا يُدرك لُجّه « 1 » ولا يقطع فجّهُ « 2 » ولا يُسلك نهجه ، ولا تنفد لئاليه ولا تعدّ معاليه ، ولا تُجمع غرره ولا تُحصى درره ، ولا تنقضي عجائبه ولا تزال تشرق لك ولا تغرب عنك غرائبه . .
أنّى وردتَ وردتَ حياضاً وأنّى أردت ردتَ رياضاً ، وحيث توجّهت وجدت للبلاغة ربيعاً وأنّى استقبلت بلوت من الإعجاز أمراً بديعاً !
فأنت عن الانتقاد في غُنية ، وعن الارتياد في فسحة ، ومن الاختيار في خيار .
خُذ منه ما وقع عليه بغتةً نظرك وما أصابته وهلة يدك ، وهذا وادٍ فسيح ومنزل وسيع ، يأتي علينا ولا نأتي عليه ، ولا يسعنا أن نثبت عنده أو نقف لديه .
وحيث قد انجرّ بنا الكلام إلى ذكر أُولئك الأعلام من زعماء العربية بل زعماء الإسلام ، فلنكتف من الإطالة بالحوالة ومن استيفاء الأدلّة بالإرشاد إليهم والدلالة ، فإنّك تجد من الحجّة في كلماتهم مقنعاً ، ومن بلج « 3 » الحقّ لسدفة « 4 » الباطل مَدفعاً ، ولتدبّر ما به البلغة إلى بلاغة القرآن وإعجازه مجالًا متّسعاً .
ثمّ بعد هذا كلّه لا أجد أوسع لي وأحرى بي من الاعتراف والإصحار
هامش
( 1 ) لُجّة الماء : معظمه ، وكذلك اللُجّ . ( صحاح اللغة 1 : 338 ) .
( 2 ) الفَجّ : الطريق الواسع بين الجبلين . ( المصدر السابق 1 : 333 ) .
( 3 ) أبلج الحقّ : أضاء وظهر . ( العين للفراهيدي 6 : 133 ) .
( 4 ) السدَف : ظلام الليل ، والسُدفة : طائفة من الليل . ( المصدر السابق 7 : 230 ) .