وهناك جملٌ وفرائد إن أفردتها بهرت ، وإن ضممتها في عقدها أعجزت وقهرت ، فهي - على شدّة إلفها بأخواتها وارتباطها بلدّاتها - تامةٌ بنفسها قائمة بذاتها .
هاك قوله ( تعالى ) في تهويل يوم القيامة وتشديد الأمر فيه ، حيث يقول ( جلّ من قائل ) :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ »
« 1 » .
اشتملت هذه الكريمة على ثلاثة عقود أو أربعة ، كلّ واحد منها أعزّ من الكبريت الأحمر وأسطع من إشراق الشمس على معادن الجوهر ، وكلّ واحدة من الجمل لو انفردت قامت بنفسها ودلّت على عظيم هول الأمر بذاتها ، وإذا نُظمت مع أمثالها وضُمّت إلى أشكالها صوّرت ذلك اليوم على حقيقته وجاءت به على واقعه وشاكلته .
وأنت ( أصلحك اللَّه ) تعلم أنّ البيان والقول إنّما هو ضرب من التصوير ، يصوّر في الخارج ما يقع في الضمير ، حكمةً من لدن حكيم خبير .
وقد ذكروا : أنّ الحاذق الماهر في صناعة الرسم والتصوير هو الذي يصوّر الضاحك والباكي والحزين والشاكي ، يصوّر الضاحك المتباكي على حاله ، والباكي المتضاحك على هيئته ، والباكي الحزين على مقدار حزنه ، والفرح الجذلان على قدر جذله وسروره ، وهكذا بحيث لا يفوتك في الصورة شيء من المصوّر ، حتّى كأنّك تشاهده بعينه وبحقيقته ، لا أقلّ ولا أكثر .
هامش
( 1 ) سورة الحجّ 22 : 1 - 2 .