الآية على عقدين : عقد سلب ، وعقد إيجاب .
أمّا عقد السلب
« وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ »
، فهو من الأساليب القرآنية التي اخترعها وارتجلها في الاستعمالات العربية ، ولم تكن معروفة من ذي قبل ، وقد تكرّرت هذه الجملة في الكتاب الكريم .
وهي تارةً تتعلّق بالأفعال ، مثل قوله ( تعالى ) :
« وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ »
« 1 » ، وقوله :
« وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا »
« 2 » ، وقوله :
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى »
« 3 » ، ويكون المراد منها حينئذٍ على سبيل الاستعارة بالكناية : المبالغة في التحذير عن ارتكاب ذلك الفعل ، الزنى والصلاة مع السكر ، أو غير ذلك . . وشبّه اسم المعنى باسم العين ، فحذّر من قربه ، فكيف بملاصقته أو الدخول فيه ؟ !
وأُخرى تتعلّق بالأعيان ، مثل قوله :
« وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ »
« 4 » ، وقوله :
« إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ »
« 5 » ، ومن هذا القبيل آية العنوان التي هي من براعة الصنعة وإبداع البيان بمكان ، وحيث إنّ النهي لا يتعلّق بالأعيان رأساً ، بل لا بدّ من توسيط فعل مقدّر في البين يناسب تلك العين ، فإذا قيل : حرّمت أُمّهاتكم عليكم ، يعني : العقد عليهنّ ، وإذا قيل : حرّمت الخمر ، يعني : شربها ، وإذا قيل : حرّم الميسر والقمار ، يعني : اللعب بهما ، وهكذا يقدّر في
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 6 : 151 .
( 2 ) سورة الإسراء 17 : 32 .
( 3 ) سورة النساء 4 : 43 .
( 4 ) سورة البقرة 2 : 35 ، سورة الأعراف 7 : 19 .
( 5 ) سورة التوبة 9 : 28 .