تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
نسبياً ، أي : الأحسن من تركه وإن كان غيره أحسن منه ؟ وعلى الثاني ، فهل المراد منه ما اشتمل على مصلحة ، أو يكفي خلوّه عن المفسدة ، وذلك بناءً على أن كلّ ما ليس بحرام فهو حسن ؟ ثمّ لمّا انتهى الكلام إلى هذا المقام طلب بعض الحضور تغيير الموضوع ونقل البحث إلى مسألة من المسائل الاعتقادية وأساسيات أُصول الدين ، فأوصل سماحته الكلام اقتضاباً من غير رويّة ولا تمهّل ، ونقل البحث إلى مسألة الحاجة إلى الأنبياء وضرورة البعثة ، فقال : إنّ النظر في عامّة أحوال البشر يعطي أن أعرق صفاته وألصقها فيه وأقدمها عهداً به هي الخلال الثلاث التي لا يجد عنها محيصاً ولا منها مناصاً مهما كان ، ألا وهي الجهل والعجز والحاجة ، وهذه الصفات هي منبع شقائه وأصل بلائه ، وكلّما توغّل الإنسان في العلم والمعرفة تطامن للاعتراف بما توصل إليه من العلم بعظيم جهله ، وأنّ نسبة معلوماته إلى مجهولاته نسبة القطرة إلى المحيط ، وكان أكبر علمه جهله البسيط . وقد سئل ( أفلاطون ) حين أشرف على الرحلة الأبدية عن الدنيا ، فقال : « ما أقول في دار جئتها مضطرّاً ، وها أنا أخرج منها مكرهاً ، وقد عشت فيها متحيّراً ، ولم أستفد فيها من علمي سوى أنّي لا أعلم » ، وقال ( سولون ) الحكيم : « ليس لي من فضيلة العلم سوى علمي بأنّي لا أعلم » . ومن استقصى كلمات حكماء اليونان وغيرهم وجد لكلّ واحد منهم مثل هذه الكلمات ، والتشبّع بهذه الروح السارية إلى متضلّع في الفضيلة متشبّع بروحها من علماء الإسلام وحكمائهم ، حتى قال ( الشافعي ) رضي الله عنه :
وإذا ما ازددت علماً * زادني علماً بجهلي