وكما أنّ الإنسان أشرف الموجودات وسعادته أكبر السعادات ، فكذلك هي أصعب وأعزّ وأشذّ وأندر من كلّ سعادة ؛ إذ لا تكاد تجد تحت الأثير موجوداً أشدّ منه تركيباً وأكثر امتزاجاً وأعند عناصراً وأبعد طبائعاً وأنفر خلائقاً ، مع ما يعتوره من عوامل الكون وفواعل الحدثان وتأثير النشأة والتربية والمجاورة والصحبة ، إلى ما لا يحيط به الفكر ويستحضره الذهن .
ومن جرّاء ذلك كلّه تعسّر بل تعذّر على الدهر أن يسخو في البرهة بعد البرهة والأحقاب بعد الأحقاب بإنسان كامل بحقيقة الإنسانية بالغاً من هذا النوع الغاية من مراتب الفعلية .
عزّ على الأحقاب والدهور أن يتسنّى لها الظفر بهذا الخطر الشاسع والعِلق النفيس والجوهر اليتيم والإكسير الخطير !
وبعد أن عزّت على الدهر وأبنائه وامتنعت تلك المرتبة - إلّالمن شاء اللَّه من رجال قلّوا نفراً وعظموا في الكون أثراً - صارت العنايات والظروف والمساعي والهمم وكلّ المؤثّرات تهب لكلّ إنسان حظّاً من السعادة وتخوّله نصيباً منها قليلًا أو كثيراً جليلًا أو حقيراً .
فسعادة كلّ إنسان إذاً لا محالة ممزوجةٌ بشقاءٍ محفوفة بعناءٍ ، وبمقدار نقص حظّ الإنسان من السعادة يكون حظّه من الشقاوة ، وبين أقصى الطرفين من محوضة السعادة وصرافة الشقاوة عرضٌ عريض وفسحةٌ شاسعة ومراتبُ بحسب الوجودات غير متناهية ، وتعسر بل تمتنع الإحاطة بها على تفاصيلها وأطباقها لغير موجدها وخلّاقها .
نعم ، بمعونته ( تعالى ) واستمداده قد يتسنّى لنا أن نشير إلى أُمّهات مراتب السعادة وأُصولها وأنواعها على ضابطة إجمالية وتقاسيم كلّية .
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 457
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٤٥٧