عن الفوضى والسراح المودي بها والمؤدّي إلى هلاكها بدون إقامة تلك الحدود والموازين ، مهما كان واضعها وشارعها ، فرداً أو جماعة ، ملكاً حكيماً ، أو رئيساً متّبعاً ، أو مؤتمراً منتخباً ، أو غير ذلك ؟
ولنفرض أنّ ملكاً حكيماً نظر في صالح رعاياه ، فرأى أن يضع لها نواميس تتكفّل بنظم سعادتها وجعلها في صفوف الأُمم الراقية التي لا ندحة لها عن تلك النظامات ، وهذا هو ما تنهج على منواله اليوم كلّ إدارة وجمعية في العالم ، ولا ترى لنفسها حياة ومجداً إلّابه .
ومهما اختلفت المشروعات والأحكام فإنّ ضرورة الأُمم إلى النظام لا تختلف على حال من الأحوال ، وبحسب صحّة قوانين كلّ أُمّة وانطباقها على الوسط التي هي فيه وجريها على تلك النواميس الموافقة الجالبة لخيرها وسعادتها يكون حظّها من التمدّن والعمران ، وعلى مثل هذا سير الحكومات المتمدّنة اليوم .
كما أنّ من الجلي أن ليست تلك النظامات أُموراً خصوصية وأحكاماً شخصية وموادّاً جزئية ، كالحكم على هذا الشخص أو تلك الذات أو هذا الموجود الخصوصي ، وإنّما هي قضايا كلّية وأحكام عمومية تجري على جمهور من الناس في دهور من العصور ، حتّى يحدث ما يقضي بتغييرها حسب الظروف ، فتُغيّر أيضاً على ذلك الوجه الكلّي .
وضع ذلك الملك الحكيم كلّ حكم من الأحكام التي يتوقّف عليها النظام والسير إلى السعادة النوعية حسب علمه بصالح أُمّته ، ولم يدع نقيراً ولا فتيلًا « 1 »
هامش
( 1 ) النقير : النقرة التي في ظهر النواة . ( صحاح اللغة 2 : 835 ) .
والفتيل : ما يكون في شَقّ النواة . ( المصدر السابق 5 : 1788 ) .