والثناء والرغبة إليه والدعاء ، ووقفت عن تعيين أسباب الزلفى عنده والقرب إليه والوفود بالكرامة عليه ، وعقول البشر لا تسل عن مقدار ضعفها ، تعجز عن حمل أثقال الأحدية ، والنهوض بأطواد الأزلية ، وتنحطّ عن العروج إلى أوج الإدراك لذات ترفّعت عن الزمان والمكان والنهاية والشبه والمثيل والمثال وأمثال هذه ، وهي لا ترى إلّامحفوفاً بذلك مغموراً بما هنالك . .
فمن أجل شدّة البعد عن ساحته والعجز عن كمال معرفته بُعدَ الممكن عن الواجب وعجز المادّي عن المجرّد ، والنفوس مجبولة على معرفة ما هو من سنخها وإدراك ما هو قريب منها ، لذلك عبدوا وأطاعوا غيره بحسبانه من بشر أو حجر أو حيوان أو أملاك أو كواكب أو غيرها .
ثمّ بعد مراجعة عقولهم ومطالعة وجداناتهم في أنّ تلك ذوات مثلهم مخلوقة وبالعدم مسبوقة ، مهّدوا لأنفسهم عذراً ، فجمعوا شركاً وكفراً ، وقالوا :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
« 1 » ، فنظراً إلى انتشالهم من هوّة الكفر وشَرَك الشرك والهلاك المؤبّد قضت العناية الأزلية والرحمة الواسعة بإرسال الرسل وبعثة الأنبياء ونصب الأوصياء وإنزال الكتب ؛ ليقودوا الناس إلى سبل المعرفة وطرق العبادة والطاعة ، ويعرّفوهم ما ينبغي له ويليق به من الثناء والحمد والسناء والمجد ، وما به السعادة والنجاة والمفازة ، وما ينتظم به شؤون معاشهم ومعادهم .
وجلّ الغرض من هذه المقالة أن ليس الجهد والعناء والسرّ من بعثة الأنبياء دلالة الخلق وتعريفهم أنّ لهم صانعاً إليه يرجع الأمر والخلق ، فإنّها مفطورة عليه
هامش
( 1 ) سورة الزمر 39 : 3 .