لا أعني بقولي : إنّه موجود بنفسه أنّ ذاته علّة لوجوده ، فإنّه واضح الاستحالة ، بل المراد : أنّه قائم بنفسه غني عن غيره ، فوجوده وغناه عين ذاته ، لا شيء لاحق به عارض عليه .
ولباب المراد واضح جلي لذوي الألباب وإن كانت العبارة لعلّها قاصرة عن بيانه منحطّة عن رفيع شأنه ، ولكنّها غاية ما يمكن في الأداء ، والمقصود - بعد التأمّل - في غاية الوضوح والجلاء .
واستبن ذلك من النظر في الوجودات الإمكانية ، فإنّك لا ترى منها موجوداً خالياً من نقص وحاجة وفقر وفاقة بحيث لم يطر عليه العدم خارجاً ولا صحّ عروضه له ذهناً ، وما هو إلّامن كون وجودها عرضياً لذاتها ، وكلّ ما بالعرض لابدّ وأن ينتهي إلى ما بالذات .
وسند ذلك أنّه لا ينقطع صحّة السؤال من العقل حتّى ينتهي إلى الذاتي ، فيتّضح الحال وينقطع السؤال .
ألا ترى أنّ بياض الأجسام بعروض البياض لها ، والبياض بذاته أبيض ، وإذا كان عروض البياض لغيره به فثبوته لنفسه أولى .
وقد حكمت بداهة العقول - كما سبق « 1 » - من أنّ معطي الشيء لا يكون فاقداً له ، فإذاً لابدّ أن تنتهي هذه الوجودات العرضية الإمكانية إلى وجود ذاتي وجوده بنفسه ، وهو الذي نسمّيه : بواجب الوجود تسميةً مطابقةً لنفس الأمر وحاقّ الواقع .
وهذا هو القسم الأوّل من الوجود الذي لا مدخل فيه للعدم والنقص والفقد
هامش
( 1 ) سبق في ص 48 و 197 و 198 .