تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
فالحاجة والعوز يدفع إلى السؤال والطلب ، والطلب يدفع إلى الشكّ ، والشكّ يدفع إلى البحث ، والبحث ينتهي إلى الحصول والوجدان ، أو اليأس والسكون . نعم ، البحث المتواصل لابدّ وأن ينتهي إلى الطمأنينة ، إمّا بالوجدان للحقيقة ، أو ما يحسبها هي ، أو بالاقتناع عنها بالصوارف إلى غيرها . ومهما كان ، فإنّ النفس لا ترتاح بعد الطلب حتّى تجد . فجميع النظريات لا تقتنع بها النفس ولا ترتاح وتسكن إليها حتّى تعود وتنتهي إلى وجدانها ، وتصير حالًا من أحوالها ، وتنتظم في سلك غرائزها ومحصولاتها الأوّلية ، وإلّا فهي بعد في عناء التشكيك وتعب الطلب . فالانتهاء إلى الوجدانيات واتّخاذها حقائق راهنة يعوّل عليها ويرجع في كلّ العلوم إليها إنّما هو من نواميس الحكمة التي لا محيد ولا محيص عنها ، وهي من أوّل الأوائل وأبده البدائة . كما أنّ رفضها وإلغاءها تعطيل لكلّ العلوم ، وإبطال لكافّة النظريات ، وفوضوية على الباحثين ، لا تنتهي بهم إلى غاية ولا تقف فيهم على حدّ . الوجدانيات هي التي ألفها الإنسان في أوّل عهده وسدكت « 1 » به من مهده إلى لحده . . هي التي عرفها قبل أن يعرف كلّ شيء ، وبها توصّل إلى كلّ شيء ، عرفها قبل معرفة أُمّه وأبيه ، وأحسّ بها قبل أن يندفع إلى طلب ما يحفظ وجوده ويغذّيه . .
هامش
( 1 ) سَدِك : لزمه . ( صحاح اللغة 4 : 1589 ) .