أسبابها ومبادئها وسار رويداً دون العدو والوثوب ، لانهدّ جانب كبير من تلك المنازعات والمجادلات التي ضخّمت بها الأساطير واتّسع فيها نطاق الصحف وصيّرت العلم بالحقائق أبعد من العيّوق « 1 » وأعزّ من بيض الأنوق « 2 » .
ولكن هيهات ، ولا يزالون مختلفين :
« سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا »
« 3 » .
[ الثالث : في الوجدانيات ، وبيان مبادي الوجدان في الإنسان ]
3 - إنّك - وكلّ أحد - عرفت وتعرف كيف كان الإنسان في أوّل كونه من الجهل والسذاجة المطبقة ، ثمّ يصير كلّما يشبّ ويترعرع يجد في نفسه أحوالًا وغرائز كأنّها كانت مكمّمة في برعمة نفسه ثمّ تفتّحت أكمامها وتفتّقت أزهارها وتأرّجت نفحاتها ، ولكن من حيث لا يدري كيف وجدت ، ومن أين إلى أين وجدت ، لا يعلم إلّاأنّها هي ذا وهي هكذا .
أوّل تلك الإحساسات والفطريات اندفاعه إلى البكاء عند طلب الغذاء وسكونه عند الشبع والرواء ، ولم يكن تعلّم هذه الواسطة المفهمة من معلّم ولا تعرّفها من معرّف ، ولا رأى غيره عليها فاحتذى مثاله واتّخذ منواله ، بل فطرة وجدها من ذاته واندفع إليها من تلقاء نفسه . .
هامش
( 1 ) العيّوق : كوكب بحيال الثريّا إذا طلع عُلم أنّ الثريّا قد طلعت . ( العين للفراهيدي 2 : 179 ) . وهو مثل يضرب في المبالغة والتناهي . ( جمهرة الأمثال 1 : 238 ) .
( 2 ) هذا مثل حاله حال المثل السابق . والأنوق : الرخمة تبيض في أعالي الجبال ، فلا يوصل إلى بيضها . ( المصدر السابق 1 : 238 و 2 : 64 ) .
( 3 ) سورة الأحزاب 33 : 62 .