تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
ثمّ تتوارد عليه هكذا تلك الغرائز والفطر ، تنبع من ينبوع نفسه وتبرز من خزانة صميمه ، لا يفتأ أن يفرّق بين الموجود والمعدوم وبين النافع وغيره ، فيميل إلى الأوّل ويسكن إليه من ظئر ترضعه أو أُمٍّ تربّيه ، فيهشّ إليها ويبتهج بها ولا يأوي إلى جناح غيرها . . وهكذا تربو وتتزايد معه تلك الخلال - حسب نموّه وتربيته - فيكون لها من نفسه المكانة السامية والمقام الأعلى ، حتّى كأنّه هي نفسه وبها كيانه . وهذه هي البديهيات الأوّلية التي تردّ إليها جميع النظريات وتنتهي إلى حكومتها سائر الأدلّة ، وإلّا فلا غناء بها ولا معوّل عليها . وفلسفة ذلك وأقصى أثر سرّه وأسبابه : أنّ الإنسان - كما يجد كلّ أحد من ذاته ويحسّ به من نفسه - لا يزال - كما نبّهناك عليه - يدأب في حركة فكرية وتجوّلات نظرية في تعرّف كلّ مجهول والإحاطة بكلّ موجود وتحصيل كلّ مفقود منها بعيد عنها ، كأنّها ترى أنّ عدم دخول شيء في حيطتها وخروجه عن سيطرة ملكوتها نقص في استكمالها وضيق في سعتها ، وهي ممّا لا ترضى بالنقص ولا ترغب إلّافي البسطة والكمال . فعند كلّ نظرة إلى كلّ شيء ينقدح لها السؤال : ما هو ؟ ومن أين هو ؟ فيرجع لسان الفكرة منها عن الجواب وهو كليل ، ويرتدّ طرف النظر خاسئاً وهو حسير . وحين تجد عوزها وفقدها لذلك الشيء وعدم وجدانها له ينبعث لها الشوق الأكيد إلى طلبه وتحصيله ، فتردّده في معقولاتها وتقول : هل هو كذا ، أم كذا شجر مثلًا ، أم حجر ؟ وهذا التشكيك والترديد هو الذي يدفع إلى الطلب والبحث .