فإنّك لا تجد نوعاً من أنواع الحيوانات - على تباعدها وعرضها العريض - إلّا وتقدر على تحصيل جهة مشابهة بين كلّ واحد وجميع ما عداه من أنواع ذلك الجنس ، بل هذا سارٍ في جميع الكونيات من الوجود بالبداهة .
وليس القول : بأنّ القرد أصل للإنسان ، أو هما معاً من أصل واحد ، إلّا كالقول : بأنّ شجر الخلاف « 1 » من النخل ، أو الزيتون من الكرم ، أو العكس ؛ لتحصّل بعض وجوه التشابه بينهما على كثرة الميّيزات والخواصّ المتباينة فيهما !
وكلّما فحصنا ومحّصنا أساطيرهم لم نجد فيها ما يصلح لتقريب هذا البعيد فضلًا عمّا يصلح بأن يسمّى دليلًا أو برهاناً .
دونك فلسفة النشوء والارتقاء - أيّها المتظلّع الكامل لا الغرّ الجاهل الذي يختلس من حيث لا يدري ويسقط من حيث لا يشعر - دونك فانظر هل تجد فيه للدليل أثراً ، أو تسمع من الحجّة همساً ، أو تحسّ لها ركزاً ؟ !
كلّا ، فدع عنك - أيّها القلم - الخوض في هذه الأوحال المنتنة والمحالّ المتعفّنة ! دع عنك المسابقة في ميدان القرود وخلّه لأهله ، فكلّ إنسان هو أعرف بأصله ، ولا يسوغ إقراره إلّاعليه !
ولأجل ما ذكر - من عدم ارتباط هذه المسألة الطبيعية بتلك المسألة الإلهية التي هي همّنا وإليها وجهة قصدنا - تركنا البحث في أصل خلق الإنسان ، ولقد كانت لنا فيه مطالب جمّة ونظرات مهمّة ، ولكنّا خشينا أن يفوت الغرض بالعرض والمقصد بالمستطرد ، فعدلنا عنه إلى البغية ، وباللَّه التوفيق .
هامش
( 1 ) الخلاف : صنف من الصفصاف . ( تاج العروس 23 : 269 ) .