بنات السّرى هذا الذي كان قلبه * يسومك أن تصلي بنار العزائم
ومن كل وضاح الحسام مشمرا * إذا شحبت فينا وجوه المظالم
يمسّح أضغان العدوّ وانما * يقبّل ثغرا من ثغور الأراقم
إذا شهد الحرب العوان تدافعت * صدور المواضي في الطلى والجماجم
وعفّر فرسان العدا ودماؤهم * جوامد ما بين اللحى والعمائم
حدا فقده كلّ العيون إلى البكا * فقطَّع أرسان الدموع السواجم
وما خطرت منه على المجد زلة * فيقرع في آثارها سنّ نادم
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة * ألاطم أعناق الرّبا بالمناسم
وهل تقذف البيداء رحلي إليكم * تنفّس عن ليلي أنوف المخارم
ولا بدّ أن ألقى العدا في حميلة * من الخيل تولي بالقنا والصوارم
والجمع بين الفخر والنسيب كثير في شعر الشريف ، وهو شاهد على اشتباك النوازع في تلك الروح ، فذلك قلب يجمع بين العنف واللطف ، والقسوة واللين ، هو قلب عامر النواحي ، فيه حنان الأطفال ، وصيال الأبطال ، يرقّ فتحسبه نسيما ، ويقسو فتحسبه جحيما ، وانظروا كيف يقول وهو يجمع بين الفخر والنسيب :
يا دار ما طربت إليك النوق * الا وربعك شائق ومشوق
جاءتك تمرح في الأزمّة والبرى * والزجر ورد والسّياط عليق
ونحنّ ما جدّ المسير كأنما * كل البلاد محجّر وعقيق
دار تملَّكها الفراق فرّقها * بالمحل من أسر الغمام طليق
شرقت بأدمعها المطيّ كأنما * فيها حنين اليعملات شهيق
الآن أقبل بي الوقار عن الصبا * فغضضت طرفي والظباء تروق
ولو أنني لم أعط مجدي حقه * أنكرت طعم العز حين أذوق
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 197
مساهمون: زكي مبارك
ص١٩٧