وهي تجربة طريفة فقد كان الشعراء يبدأون قصائد المدح بالنسيب ، وكثر منهم ذلك حتى صح للمتنبي أن ينقدهم فيقول :
إذا كان مدح فالنسيب المقدم * أكل فتى قد قال شعرا متيم
والمهم أن تعرفوا ما في هذه القصيدة من الشاعرية ، المهم أن تعرفوا أن ذلك الفتى كان يشعر بأنه أعلا من الأماني والزمان فيقول :
أمن شوق تعانقني الأماني * وعن ود يخادعني زماني
وأي شاعرية أمجد وأعظم من شاعرية من يتمدح بأن جده كفنته السيوف وغسلته الرماح :
قضى وجياده حول العوالي * ووفد ضيوفه حول الجفان
تكفّنه ظبا البيض المواضي * ويغسله دم السّمر اللدان
وهل رأيتم أحلا وأعذب من شاعرية الفارس الذي يتغزل في جواده فيقول :
خفيري في الظلام أقبّ نهد * يساعدني على ذمّ الزمان
جواد ترعد الأبصار فيه * إذا هزأت برجليه اليدان
كأني منه في جاري غدير * ألاعب من عناني غصن بان
حييّ الطرف إلا من مكرّ * يبيّن من خلائقه الحسان
إذا استطلعته من سجف بيت * ظننت بأنه بعض الغواني
ذلكم هو الفارس ، وتلكم هي الفروسية ، والذي يقول هذا الشعر فتى كان يرشّح نفسه لإمارة الحج ، ومنصب القضاء ، ونقابة الأشراف ، وكذلك كان أسلافنا فتيانا يستهويهم جمال الخيل وميادين القتال .
وقد ظن جامع الديوان أن الشريف وصف الأسد ، وما وصف
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 191
مساهمون: زكي مبارك
ص١٩١