هامش
- ونظير ذلك ما فعله موسى ( عليه السلام ) - لمّا رجع إلى قومه غضبان أسفاً - من إلقائه الألواح ، وأخذه برأس أخيه يجرّه إليه ولم يكن غرضه الإنكار على هارون ، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم ، وشدّة جرمهم ، كما مرّ الكلام فيه [ ج 13 ص 195 - 248 ] .
وأمّا حمله على أنّ شدّة الغضب والأسف والغيظ حملتها على ذلك - مع علمها بحقّية ما ارتكبه ( عليه السلام ) - فلا ينفع في دفع الفساد ، وينافي عصمتها وجلالتها الّتي عجزت عن إدراكها أحلام العباد .
بقي هاهنا إشكال آخر ، وهو : أنّ طلب الحقّ والمبالغة فيه وإن لميكن منافياً للعصمة ، لكن زهدهاصلوات الله عليها وتركها للدنيا وعدم اعتدادها بنعيمها ولذّاتها ، وكمال عرفانها ويقينها بفناء الدنيا ، وتوجّه نفسها القدسيّة ، وانصراف همّتها العالية ، دائماً إلى اللذات المعنويّة ، والدرجات الأخروية ، لاتناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك ، والخروج إلى مجمع النّاس ، والمنازعة مع المنافقين في تحصيله .
والجواب عنه من وجهين :
الأوّل : أنّ ذلك لميكن حقّاً مخصوصاً لها ، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه ، فلميكن يجوز لها المداهنة والمساهلة والمحاباة وعدم المبالاة في ذلك ، ليصير سبباً لتضييع حقوق جماعة من الأئمّة الأعلام والأشراف الكرام ، نعم لو كان مختصاً بها كان لها تركه والزهد فيه وعدم التأثّر من فوته .
الثاني : أنّ تلك الأمور لمتكن لمحبّة فدك وحبّ الدنيا ، بل كان الغرض إظهار ظلمهم وجورهم ، وكفرهم ونفاقهم ، وهذا كان من أهمّ أمور الدين ، وأعظم الحقوق على المسلمين .
ويؤيّده أنّها - صلوات الله عليها - صرّحت في آخر الكلام حيث قالت :
« قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة » .