ويأمرني بأخذه وتقول : لا كتاب معها » ! ثمّ اخترط سيفه وقال : « واللَّه لئن لم تخرجي الكتاب لأضربنّ عنقك » .
فقالت : إذا كان كذلك ، فأعرِض عنّى حتّى أخرجه . فأعرض بوجهه فكشفت وجهها وأخرجته من عقيصتها ، فأخذه أمير المؤمنين عليه السلام وصار « 1 » إلى رسول اللَّه .
فأمر أن ينادى بالصلاة جامعة « 2 » ، فنودي واجتمعوا ، ثمّ صعد المنبر وأخذ الكتاب فقال : « أيّها النّاس ، إنّي كنت سألت اللَّه عزّ اسمه أن يخفي أخبارنا عن قريش ، وإنّ رجلًا كتب إلى أهله يخبرهم خبرنا ، فليقم صاحب الكِتاب ، وإلّا فضحه الوحي » .
فلم يقم أحد ، فأعاد ثانية ، فقام حاطب وهو يرعد كالسَعَفة ، وقال : أنا صاحب الكتاب ، وما أحدثت نفاقاً بعد إسلامي ولا شكّاً بعد يقيني .
فقال له صلى اللَّه عليه وآله وسلّم : « فما الّذي حملك على ذلك » ؟
فقال : إنّ لي أهلًا بمكّة ولا عشيرة لي بها ، وخفت أن تكون الدائرة لهم علينا ، فيكون الكتاب كفّاً لهم عن أهلي ، ويداً لي عليهم ، ولم يكن لشكّ منّى في الدين .
فقال عمر : يا رسول اللَّه ، مرني بقتله ، فقد نافق .
فقال : « إنّه من أهل بدر ، ولعلّ اللَّه اطلع عليهم فغفر لهم ، أخرجوه من المسجد » .
فجعل النّاس يدفعونه في ظهره ويخرجونه وهو يلتفت إلى رسول اللَّه ليَرِقَّ له فردّه ، وقال : « قد عفوت عنك ، فاستغفر ربّك « 3 » ، ولا تعد لمثل ما جنيت » « 4 » .
هامش
( 1 ) في خ ، ق : « وجاء » .
( 2 ) ق : « الصلاة جامعة » .
( 3 ) في ق : « فاستغفر اللَّه » .
( 4 ) الإرشاد : 1 : 56 - 58 فصل 12 مع اختلاف في الألفاظ ، وفي ص 131 فصل 32 إشارة .
ورواه الطبري في تاريخه : 3 : 48 وفي تفسيره ج 28 ص 39 ، وابن هشام في سيرته : 4 : 40 ، والبخاري في صحيحه : 5 : 184 باب غزوة الفتح ، ومسلم في صحيحه : 4 : 1941 في كتاب فضائل الصحابة باب 36 من فضائل أهل بدر وقصّة حاطب بن أبي بلتعة برقم 2494 ، وأحمد في المسند : 1 : 79 ، والحاكم في المستدرك : 3 : 301 ، والبيهقي في دلائل النبوّة : 5 : 14 ، وملخصاً اليعقوبي في تاريخه : 2 : 58 .