وفي البحر ممّا جعل لها حياةً وموتا ونفسا حيوانية دون العقل على اختلاف درجاتها في ما جعل لها ، شرّع اللّه لكلّ نوع من ذلكم نظاما يتناسب وفطرته ، وألهم كلّ فرد من ذلك النوع بالغريزة التي فطره عليها أن يسير في حياته وفق ذلك النظام وبَيَّن نوع هداية هذا الصنف من الخلق في ما أخبر تعالى عن حياة النّحل في قوله تعالى : وأوحى ربُّك إلى النَّحل أن اتّخذي من الجبالِ بيوتا ومن الشَّجرِ وممّا يعرِشون * ثمّ كُلي من كلِّ الثَّمرات فاسْلكي سُبل ربّك ذُلُلا يخرج من بطونِها شرابٌ مختلفٌ ألوانهُ فيهِ شفاء للنّاسِ إنّ في ذلك لاية لقوم يتفكَّرون ( الآيتان 68 - 69 ) .
إذا فأنَّ كل ما يصدر من النَّحل من فِعْلٍ فيه حَذَقٌ ودقَّة وحكمة انما هو بإلهام من ربِّنا ربِّ العالمين ، وفي هذا البيان مثالٌ توضيحيُّ لنوع الهداية لهذا الصنف من المخلوق الذي سبق ذِكْرُ الانعام فيه في الآيات ( 5 - 8 ) وما في خلقها ونظام حياتها من حكمة ونفع ، وفي التعبير ب - ( أوحى ربُّك ) ايحاء بأنّ ربّ النحل الذي هداهُ أن يسير في حياته وفقا لما قدر لحياته من نظام متناسب وفطرته ؛ هو ربّنا الذي شرع لنا نظاما يتناسب وفطرتنا التي فطرنا عليها بحكمةٍ واتقان ، كالآتي بيانه :
رابعا : التعليم بالوحي بواسطة الرسل لصنفي الانس والجنّ
مصداقا لقوله تعالى : خَلَقَ فَسَوّى وقَدَّرَ فَهدى في سورة الاعلى .
أوّلا - الانسان : خلق اللّه ربّ العالمين الانسان وقدّر حياته وجعل في طبعه هوى النفس في ما تشتهيه نفسه ومنحه العقل الذي يميّز به ما يضرّه وما ينفعه . « 1 »
وهيأه لقبول الهداية بوسيلتين :
أ - النطق باللّسان كما قال سبحانه في سورة الرَّحمن :
خَلَقَ الانسان * عَلَّمهُ البَيان ( الآيتان 3 و 4 ) .
هامش
( 1 ) . إنّما خصّصنا بالذّكر غريزة هوى النفس وحاسّة الادراك والعقل في الانسان ، لمشاركة الجنّ إيّاه فيهما ، وهما لوجود هوى النفس فيهما بحاجة إلى مذكّرين يذكّرونهما اللّه ومبشّرين ومنذرين من الرسل والأوصياء .