أجساما مادّية مثل الطيور ، ولا سبيل لنا لمعرفة حقيقتهم بما أُوتينا من وسائل لمعرفة الأجسام بالحواس الخمس ، وإنّما سبيلنا إلى معرفتها إنّما هو النقل ، كما أن سبيلنا إلى معرفة البلاد التي غبنا عنها تنحصر بالسماع عنها ، غير أنّنا عندئذ نستطيع أن نقايسها بأمثالها التي شاهدناها ، وللعقل هنا أن يحكم بصدق ما ينقل ومن ينقل أو يرده ، ولا مجال هنا لشرح كيفية عمل العقل عندئذ ، ولا يمكن قياس عالم الغيب بما في عالمنا المادّي .
وأخبر اللّه تعالى ( ضمنا فيما أخبر ) أنّه علّم الملائكة ما ينبغي أن يتعلّموه ولابد أن يكون ذلك في حدود ما أمرهم أن يقوموا بعمله ، وحكى سبحانه كيف أخبرهم بأنّه جاعل في الأرض خليفة .
وخليفة اللّه في الأرض هو الانسان الذي عيّنه اللّه لهداية الناس ، ويمثلهم في هذا الخبر آدم أبو البشر ، وأخبر أنّ الملائكة قالت : أَتَجعلُ فيها مَن يُفسدُ فيها وَيَسفكُ الدِّماء وَنَحنُ نُسبِّحُ بِحَمدكَ وَنُقدِّسُ لك ( البقرة 30 ) .
وجاء في الروايات أنّ الملائكة قالت ذلك لانّ اللّه تعالى كان قد خلق قبل آدم ( ع ) في الأرض ، خلقا أراقوا الدماء وأفسدوا في الأرض وأبادهم اللّه بظلمهم ، وقاست الملائكة حالة الخلق الجديد بما كانت قد رأت قبله من خلق اللّه .
وكان جواب اللّه لهم : إنّي أعلم ما لا تعلمون . ثمّ خلق آدم ( ع ) وعلمّه الأسماء كلّها ؛ أي حقائق الأشياء كلّها فإنّ الأسماء جاءت هنا جميعا للاسم بمعنى صفات الشيء الخاصة المبينة لحقيقته ، وذلك لانّ اللّه سخّر ما في السماوات والأرض لمنفعة الانسان ولا بدّ أن يعلّمه صفاتها وخواصها كما سيأتي شرحه في آخر هذا البحث إن شاء اللّه تعالى .
علَّم آدم خواص كلّ ما سخّره له ليعمل مع ما سخّره له في ما ينفعه ، وعلَّم كلّ واحد من الملائكة عِلم كلّ ما خلق ذلك الملك للقيام به ، علّم - مثلا - الملائكة التي خلقها للعبادة كيفية التهليل والتسبيح والتكبير للّه كما هو أهله ، وعلَّم الملائكة التي
عقائد الإسلام من القرآن الكريم — صفحة 156
مساهمون: السيد مرتضى العسكري
ص١٥٦