والآيات من هذا القبيل كثيرة ، دالّة على أنّ الكافر قد يكون موفّرا عليه في هذه الحياة ، وربّما جزاء على أعمال حسنة يقوم بها ، فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ، وإنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا . فتحقيقا لهذا العموم في الجزاء ، يجازى الكافر أيضا على حسنات يعملها ، لكن بالنظر إلى اختصاص مثوبات الحياة الأخرى بالمؤمنين ، تختصّ مثوباته بهذه الحياة الدنيا .
وهذا يتوافق مع قولنا بالاستحقاق أيضا ، كما لا يخفى .
2 - إنّ السيّئة مهما بلغت حجما وعددا فإنّها تسقط بالتوبة :
[ 2 / 6210 ] « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » « 1 » .
فالنادم على معصية إذا استغفر اللّه ، وقام بشرائط الإنابة إلى اللّه وتاب توبة نصوحا ، غفر اللّه له جميع ذنوبه ،
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
« 2 » . وهذا إجماع من الأمّة ، لصراحة الكتاب وتواتر السنّة القطعيّة .
نعم اختلفوا في أنّ التوبة بذاتها تسقط العقاب أم لمزيّة ثوابها على عقاب المعصية الّتي ارتكبها ؟ كما اختلفوا - أيضا - في أنّ سقوط العقاب بالتوبة تفضّل أم ذاتي واجب ؟
لكن لا تأثير - عمليّا - لأمثال هذه المباحث ، بعد ثبوت أصل الإسقاط ، وإن كان بحث عنها كبار أئمّة علم الكلام ، أمثال المحقّق نصير الدين الطوسيّ « 3 » والقاضي عبد الجبّار « 4 » وغيرهما من العلماء . وللكلام عن شروط التوبة وآدابها مجال آخر .
3 - الإحباط - بمعنى محق الحسنات بسيّئة لا حقة - باطل عندنا « 5 » إذ لا دليل عليه لا من العقل ولا من النقل ، فضلا عن مخالفته لعموم الكتاب والسنّة ، ومنافاته لأصول العدل والحكمة في باب المجازاة :
أوّلا : إذا كنّا نقول في باب المجازاة بالاستحقاق - كما عليه العدليّة - فما الّذي دعا بسقوط
هامش
( 1 ) الكافي 2 : 435 / 10 ، باب التوبة .
( 2 ) الزمر 39 : 53 .
( 3 ) انظر : تجريد الاعتقاد بشرح العلّامة ابن المطهّر الحلّي : 239 - 240 .
( 4 ) انظر : شرح الأصول الخمسة : 790 ، فما بعد .
( 5 ) قال العلّامة المجلسي : المشهور بين متكلّمي الإماميّة بطلان الإحباط والتكفير ، بل قالوا باشتراط الثواب والعقاب بالموافاة . قال : وذهبت المعتزلة إلى ثبوتهما . البحار 5 : 332 .