وأمّا التساوي بين الدين والإيمان فلا موضع له ، بعد أن كان الدين عبارة عن مجموعة قوانين وأنظمة لتنظيم الحياة الفرديّة والاجتماعيّة في أكمل نظام كافل لسعادة الدارين . فليس الدين سوى الطريقة المستقيمة الّتي شرّعها اللّه تعالى ، ويجب على المكلّفين السير عليها تأمينا لسعادتهم المنشودة .
أمّا الإيمان فهو نفس الاعتقاد باللّه وحده لا شريك له ، والتصديق برسوله فيما جاء به من عند اللّه . وغير خفيّ أنّ التصديق غير العمل ، وكان الدين هو العمل !
فرضيّة الإحباط في خطوات
وبعد فالصحيح عندنا في مسألة الإحباط ومتفرّعاتها هو التفصيل التالي :
1 - صريح الكتاب العزيز : أنّ الموافاة على الإيمان شرط في قبول الأعمال الصالحة ، فلا مثوبة على حسنة مع الكفر والجحود . ولعلّ الحبط بشأن الكافر الجاحد الّذي يموت على جحوده إجماعيّ وفق نصّ الكتاب « 1 » :
قال تعالى :
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً . وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
« 2 » .
ولعلّ معترضا يقول : هلّا كان ذلك ظلما وتضييعا لصالح الأعمال ، ومخالفا لقوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
« 3 » ؟ !
قلنا : لا ظلم مع الاشتراط ، ويجوز عند العقل أن يكون استيفاء الأجر والمثوبة على الأعمال الحسنة ، مشروطا بوجود علائق العبوديّة بين العبد ومولاه . ولا يقطعها بالكفر والجحود والخروج ضدّ مولاه في طغيان عارم !
أمّا قوله تعالى :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
« 4 » . وقوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
هامش
( 1 ) وهذا لا ينافي ما قدّمنا من جواز منح الكافر من مثوبات الحياة الأخرى ، إن كان مشى في حياته وفق فطرته ولم يحد عن طريقة العقل الحكيمة ، فيجازى على أعمال صالحة وحسنات قام بها من غير منّ ولا أذى .
( 2 ) الفرقان 25 : 22 - 23 .
( 3 ) الزلزلة 99 : 7 .
( 4 ) الكهف 18 : 30 .