تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
عبثا . ولن يترك سدى ؛ وأنّ العدالة المطلقة في انتظاره ، ليطمئنّ قلبه ، وتستقرّ بلابله ، ويفيء إلى العمل الصالح ، وإلى عدل اللّه ورحمته في نهاية المطاف . قال سيّد قطب : واليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحسّ المغلقة ، ومن يعيش في الوجود المديد الرحيب . بين من يشعر أنّ حياته على الأرض هي كلّ ما له في هذا الوجود ، ومن يشعر أنّ حياته على الأرض ابتلاء يمهّد للجزاء ، وأنّ الحياة الحقيقيّة إنّما هي هنالك ، وراء هذا الحيّز الصغير المحدود .
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
« 1 » .
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 2 » . [ 2 / 96 ] وفي الحديث : « إنّما خلقتم للبقاء لا للفناء » « 3 » . فهذه العقيدة - في حقيقتها - تجعل الإنسان على أهبة العمل لحياة خالدة ، وأن لا يقصر همّه على متع الحياة الدنيا الزائلة .
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
« 4 »
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
« 5 » . والتأكيد على الحياة الأخرى كثير في القرآن ، سوف نبحث عنه في مجاله . إن شاء اللّه . * * * وكلّ صفة من هذه الصفات - كما رأينا - ذات قيمة في الحياة الإنسانيّة ، ومن ثمّ كانت هي صفة المتّقين ، أي المتعهّدين بالذمم الأخلاقيّة وأصحاب الشعور الإنساني في الحياة . قال سيد قطب : وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعا ، هو الّذي يؤلّف منها وحدة متناسقة متكاملة . فالتقوى شعور في الضمير ، وحالة في الوجدان ، تنبثق منها اتّجاهات وأعمال ؛ وتتوحّد بها المشاعر الباطنة والتصرّفات الظاهرة ؛ وتصل الإنسان باللّه في سرّه وجهره . وتشفّ منها الروح ، فتقلّ الحجب بينها وبين الكلّيّ الّذي يشمل عالمي الغيب والشهادة ، ويلتقي فيه المعلوم والمجهول . ومتى شفّت الروح وانزاحت الحجب بين الظاهر والباطن ، فإنّ الإيمان بالغيب عندئذ
هامش
( 1 ) الانشقاق 84 : 6 . ( 2 ) البقرة 2 : 156 . ( 3 ) راجع : تفسير الإمام : 117 ؛ البحار 37 : 145 . وكذا إعتقادات الصدوق : 47 ، باب 15 ( مصنفات المفيد 25 ) ؛ البحار 6 : 249 و 58 : 78 . ( 4 ) العنكبوت 29 : 64 . ( 5 ) الأعلى 87 : 17 .