تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
منها يستفاد القدس أي الطهارة « 1 » . قال أبو حامد الغزالي : القدّوس هو المنزّه عن كلّ وصف يدركه حسّ ، أو يتصوّره خيال ، أو يسبق إليه وهم ، أو يختلج به ضمير ، أو يقضي به تفكير . قال : ولست أقول : منزّه عن العيوب والنقائص ، فإنّ ذكر ذلك يكاد يقرب من ترك الأدب . فليس من الأدب أن يقول القائل : ملك البلد ليس بحائك ولا حجّام فإنّه نفي الوجود ، يكاد يوهم إمكان الوجود ، وفي ذلك الإيهام نقص . بل أقول : القدّوس هو المنزّه عن كلّ وصف من أوصاف الكمال الّذي يظنّه أكثر الخلق كمالا . لأنّ الخلق أوّلا نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم ، وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمال ، ولكنّه في حقّهم ، مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وكلامهم وإرادتهم واختيارهم ، ووضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني ، وقالوا : إنّ هذه هي أسماء الكمال . وإلى ما هو نقص في حقّهم ، مثل جهلهم وعجزهم وعماهم وصممهم وخرسهم ، فوضعوا بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ . ثمّ كانت غايتهم في الثناء على اللّه تعالى ووصفه ، أن وصفوه بما هو أوصاف كمالهم ، من علم وقدرة وسمع وبصر وكلام ، وأن نفوا عنه ما هو أوصاف نقصهم . واللّه - سبحانه وتعالى - منزّه عن أوصاف كمالهم ، كما أنّه منزّه عن أوصاف نقصهم ، بل كلّ صفة تتصوّر للخلق ، فهو منزّه ومقدّس عنها وعمّا يشبهها ويماثلها . ولولا ورود الرخصة والإذن بإطلاقها لم يجز إطلاق أكثرها - وقد شرح ذلك شرحا أوفى في المقدّمة الرابعة من مقدّمات الكتاب . قال : قدس العبد في أن ينزّه إرادته وعلمه . أمّا علمه ، فينزّهه عن المتخيّلات والمحسوسات والموهومات وكلّ ما يشاركه فيه البهائم من الإدراكات ، بل يكون تردّد نظره وتطواف علمه حول الأمور الأزليّة الإلهيّة المنزّهة عن أن تقرب فتدرك بالحسّ ، أو تبعد فتغيب عن الحسّ . بل يصير متجرّدا في نفسه عن المحسوسات والمتخيّلات كلّها ، ويقتني من العلوم ما لو سلب آلة حسّه وتخيّله بقي ريّانا بالعلوم الشريفة ، الكلّيّة ، الإلهيّة ، المتعلّقة بالمعلومات الأزليّة والأبديّة ، دون الشخصيّات المتغيّرة المستحيلة .
هامش
( 1 ) المفردات : 397 . وهكذا ذكر ابن إسحاق الزجاجي في كتابه « اشتقاق أسماء اللّه » : 214 .