تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
نعم ، لو فسّرنا التسبيح بذلك انحلّت المشكلة تماما ، حيث الكائنات برمّتها ذلولة تسلك سبل ربّها والّتي جبلت عليها في تشخيص مسيرتها في عالم الوجود . ومن ثمّ نرى أنّ التسبيح في مثل هذه الآيات ، يخلفه التعبير بالسجود ، سجود الكائنات بأسرها للّه تعالى ، فما هذا السجود إلّا تعبيرا آخر عن ذلك التسبيح ! . قال تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
« 1 » . وقال :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ
« 2 » . وقال :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ . وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ . وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ . أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ
« 3 » وقال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
« 4 » . وقال :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
« 5 » . وإذا كانت الأظلة خاضعة لنظام وكذا الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وكلّ شيء خلقه اللّه في هذا الكون ، فهي جميعا ساجدة للّه تعالى ومسبّحة له تسبيحا في عبادة مستمرّة تدأب فيها من غير قصور ولا فتور . إذن صحّ التعبير بالتسبيح - في مفهومه الحقيقي ( الدءوب في العبادة ) - عن سجود الكائنات بأسرها ، أي خضوعها التامّ واستسلامها المحض ، تجاه نواميس الطبيعة ، لا تجور ولا تحور عن المنهج الّذي رسمته لها الطبيعة ، وفق إرادة اللّه تعالى وسنته الجارية في الخلق .
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
« 6 » : كلّ ينتهج منهجه الّذي جبل عليه .
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
« 7 » .
هامش
( 1 ) الرعد 13 : 15 . ( 2 ) الحجّ 22 : 18 . ( 3 ) الرحمن 55 : 5 - 8 . ( 4 ) النحل 16 : 48 . ( 5 ) النحل 16 : 49 . ( 6 ) الأنبياء 21 : 33 . ( 7 ) النور 24 : 41 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 396 | الشيخ محمد هادي معرفة