تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
« 1 » . وهذا هو معنى قوله تعالى :
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
« 2 » أي انتهجي المنهج الّذي مهّده اللّه وفرض - فرضا ذاتيّا - الجري عليه بلا تهاون ولا فتور . والأشياء كلّها على ذلك خاضعة للّه يسبّحون ليلهم ونهارهم على استمرار دائب . ما عدا الإنسان فقد فرض عليه التكاليف ليمتثلها عن اختيار ذاتي لا قسر ولا جبر ، اختبارا في صميم ذاته ، واستجلاء لمقام خلافته في الأرض . ومن ثمّ عبّر بكثير من الناس « 3 » لا جميعهم . قال أبو إسحاق الزجّاج « 4 » - في قوله تعالى :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
« 5 » - : قيل : إنّ كلّ ما خلق اللّه يسبّح بحمده ، وإنّ صرير السقف وصرير الباب من التسبيح ، فيكون - على هذا - الخطاب للمشركين وحدهم في
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ .
وجائز أن يكون تسبيح هذه الأشياء بما اللّه به أعلم لا يفقه منه إلّا ما علّمنا . قال : وقال قوم :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
أي ما من شيء إلّا وفيه دليل أنّ اللّه - جلّ وعزّ - خالقه ، وأنّ خالقه حكيم مبرّأ من الأسواء ، ولكنّكم أيّها الكفّار لا تفقهون أثر الصنعة في هذه المخلوقات . قال : وليس هذا بشيء ، لأنّ الّذين خوطبوا بهذا ، كانوا مقرّين بأنّ اللّه خالقهم وخالق السماوات والأرض ومن فيهنّ ، فكيف يجهلون الخلقة وهم عارفون بها « 6 » . قال الأزهري : وممّا يدلّك على أنّ تسبيح هذه المخلوقات تسبيح تعبّدت به ، قول اللّه - جلّ وعزّ - للجبال :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
« 7 » . ومعنى « أوّبي » أي سبّحي مع داود النهار كلّه إلى
هامش
( 1 ) الأنبياء 21 : 19 - 20 . الاستحسار : التعب والإعياء . ( 2 ) النحل 16 : 69 . ( 3 ) الحجّ 22 : 18 . ( 4 ) هو إبراهيم بن السري الزجّاج النحوي ( توفّي : 311 ه ) له كتاب معاني القرآن . وقد حضره الأزهري ببغداد وكلّ ما أخذ في التفسير فهو منه . ( التهذيب ، المقدمة : 39 و 1 : 24 ) . ( 5 ) الإسراء 17 : 44 . ( 6 ) تهذيب اللغة للأزهري 4 : 197 . ( 7 ) سبأ : 10 .