تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
طينة علّيّين أو من طينة سجّين ، كناية عن اختلاف الناس في مآربهم ومشاربهم ، فمنهم من يؤول في مساعيه في الحياة إلى درجات على ، ومنهم من يؤول إلى دركات سفلى . كأنّ الأوّلين خلقوا من علّيّين ، حيث تحنّ نفوسهم إليه ، والآخرين خلقوا من سجّين ، حيث تحنّ نفوسهم إليه ، لأنّ الشيء تحنّ إلى أصله ومنشائه . . . وهذا من التشبيه البليغ ، نظير قوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
« 1 » أي مطبوع على الاستعجال كأنّه مجبول عليه وقد فطر عليه ، قال تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
« 2 » . وهذا لأنّ الإنسان ، بنهمه وحرصه المفرط ، يرى كأنّه قد عجنت فطرته بعنصر العجلة ، فيلهف نحو ما يريد من غير هوادة . . . وهكذا الناس في أشكالهم وأنحائهم متفاوتون ، فبعض يسعى نحو الخير بكلّ همّته ، كأنّه من جبلّة ذاته . وآخر يهتمّ بالشرّ كأنّه من صميم فطرته وإذ كان البناء على التشبيه والتمثيل محضا ، فلا موجب لتداعي القول باستلزام الجبر وسلب الاختيار . قال الزمخشري : إذا كان الإنسان خلق من عجل وكان في فطرته عجولا ، فما وجه ردعه عن الاستعجال ، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق ؟ قال : كلّا ، وهذا نظير ما ركّب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها ، حيث أعطاه القدرة على كبحها وتسخيرها في مآربه الصالحة وأن لا يرتكب بها الفساد « 3 » . * * * وهناك تأويل لعلّه أسدّ ، وهو أنّ تلك التعابير كناية عن تمهيدات تتّخذ بشأن كلّ من المؤمنين والفاسقين ، فمن علم اللّه منه الخير والصلاح ، مهّد له السبل إلى بلوغ كماله ، ومن علم منه الشرّ والفساد ، مهّد له أرضيّة البلوغ إلى مآربه . ذلك لأنّه تعالى هو مسبّب الأسباب ، ولولا إرادته تعالى ( أي الإذن منه تعالى ) لم يقع شيء ،
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 4 » ، أي لا تستطيعون فعل شيء ، إلّا
هامش
( 1 ) الأنبياء 21 : 37 . ( 2 ) الإسراء 17 : 11 . ( 3 ) تفسير الكشّاف 3 : 117 بتوضيح . ( 4 ) الإنسان 76 : 30 . وفي سورة التكوير 81 : 29 :وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَأي هذه المشيئة التابعة لمشيئة العبد ، إنّما هي عن مقتضى تدبير عالم الخلق ، ليقع ما يشاؤه العباد وفق مرادهم ، تحقيقا لمبدأ الاختيار في أفعال العباد .