تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
( السادس ) أنّ غاية ما يلزم من الخلق من الطينتين الميل والمحبّة لما يقتضيه كلّ منهما من خير وشرّ بالاختيار ، وذلك لا يستلزم الجبر لا سيّما بعد التصريح بخلط الطينتين الموجب لتدافع الطبيعتين والوقوف على حدّ الاعتدال بحيث يصير المؤمن قادرا على السيئة والكافر قادرا على الحسنة . ويؤيده قوله عليه السّلام في بعض أخبار هذا الباب : فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه ، وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه . وظاهره أنّ ذلك الخلط والمزج صار سببا لمجرّد الميل لا أنّه رفع القدرة والاختيار ، وصار علّة للإجبار ، ولعلّ الحكمة والمصلحة في مزج الطينتين إظهار قدرته تعالى في إخراج الكافر من المؤمن وبالعكس ، دفعا لتوهّم استنادهم إلى الطبائع أو ظهور رحمته تعالى في فسّاق المؤمنين بغفران ذنوبهم ، أو تعيّش المؤمنين في دولة الكافرين ، إذ لو لم تكن رابطة الاختلاط ولم يكن لهم رأفة وأخلاق حسنة كانوا كلّهم بمنزلة الشياطين ، فلم يتخلص أحد من بطشهم . أو لوقوع المؤمن بين الخوف والرجاء حيث لا يعلم أنّ الغالب فيه الخير أو الشرّ ، أو رفع العجب عنه بفعل الطاعات ، أو الرجوع إليه تعالى في حفظ نفسه من المعاصي أو غير ذلك من الحكم والمصالح الّتي لم تدركها عقولنا القاصرة وأفهامنا الفاترة . ( السابع ) ما اعتمده أكثر الأصحاب وعوّلوا عليه في هذا الباب ، وهو أنّ ذلك منزّل على العلم الإلهي ، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ ، وقادرة على فعلهما ، وعلم أنّ بعضها يعود إلى الخير المحض وهو الإيمان ، وبعضها يعود إلى الشرّ المحض وهو الكفر باختيارها . . . عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيّبة أو الخبيثة ، فحيث علم اللّه من أحد أنّه يختار الخير والإيمان البتة ، ولو لم يخلق من طينة طيّبة ، خلقه منها . ولمّا علم من آخر أنّه يختار الشرّ والكفر البتة ، خلقه من طينة خبيثة ، لطفا بالأوّل وتسهيلا عليه وإكراما له لما علم من حسن نيّته وعمله . وبالعكس في الثاني . وعلم اللّه ليس بعلّة لصدور الأفعال . وهذا معنى جيّد تنطبق عليه أكثر أخبار الباب ويستنبط من أخبارهم عليهم السّلام كما أشير إليه في حديث « 1 » حكاية عنه تعالى : أنا المطّلع على قلوب عبادي لا أحيف ولا أظلم ، ولا ألزم أحدا إلّا ما عرفته منه ، قبل أن أخلقه . ويستفاد ذلك من أخبار أخر ذكرها يفضي إلى التطويل .
هامش
( 1 ) أورده في المصابيح 1 : 9 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 387 | الشيخ محمد هادي معرفة