تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
( الثامن ) إنّ اللّه سبحانه وتعالى لمّا خلق الأرواح قبل خلق الأبدان في عالم الذرّ ، وكلّفها بتكليف حين تجرّدها ، أجّج لها نارا وأمرها بالدخول إليها والاقتحام فيها ، فامتثل بعضها وبادر إلى الإطاعة فكانت عليه بردا وسلاما ، وأبى بعضها ولم يمتثل فندم وخسر ، ثمّ طلب الرجوع مرّة أخرى فأبى ولم يمتثل أيضا ، فقامت هناك الحجّة وثبتت المحجّة ، وتحقّق الإيمان والكفر بالإطاعة والعصيان ، قبل استقرار الأرواح في الأبدان ، ووقع معلوم اللّه تعالى مطابقا لعلمه ، فخلق تعالى للأرواح المطيعة مسكنا مناسبا لها وهو البدن من طينة علّيّين ، وخلق للأرواح العاصية مسكنا من طينة سجّين ، كما خلق تعالى للمؤمن جنّة وللكافر نارا وذلك ليستقرّ كلّ واحد فيما يناسبه ، ويعود كلّ جزء إلى كلّه وكلّ فرع إلى أصله ، فظهر أنّ الخلق من الطينتين تابع للإيمان والكفر ومسبّب عن العمل دون العكس ، فلا يلزم الجبر ولا ينافي الاختيار . ألا ترى أنّ اللّه تعالى لمّا علم أنّ بين النبيّين والمؤمنين اتصالا من وجه وانفصالا من وجه آخر ، لأنّ المؤمنين يوافقونهم في العقائد ويخالفونهم أحيانا في الأعمال ، لصدور المعصية منهم ، خلق قلوب المؤمنين من طينة النبيّين ، وخلق أبدانهم من دون ذلك ، لانحطاط درجتهم وشرفهم ، فوضع كلّا في درجته . وإنّك إذا قرّرت لعبدك المطيع بيتا شريفا ولعبدك العاصي بيتا وضيعا ، صحّ ذلك عقلا وشرعا ولا يصفك عاقل بالظلم والجور ، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وهو يلزم لو انعكس الأمر ، أو وقع التساوي ، فبان أنّ الخلق من طينتين علّيّين وسجّين تابع للطاعة والمعصية والإيمان والكفر دون العكس « 1 » . * * * ولسيّدنا العلّامة الطباطبائي توجيه لطيف لهذه الأخبار ، أوجز فيه الكلام في إجمال بليغ ، قال : قد استفاضت الأخبار بأنّ اللّه تعالى خلق السعداء من طينه علّيّين ( من الجنّة ) وخلق الأشقياء من طينة سجّين ( من النار ) وكلّ يؤول إلى حكم طينته من السعادة أو الشقاء . وقد أورد عليها : أوّلا بمخالفة الكتاب . وثانيا باستلزام الجبر الباطل ، أما البحث الأوّل فقد قال اللّه تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
« 2 » . وقال :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ
هامش
( 1 ) مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار 1 : 11 - 14 . ( 2 ) الأنعام 6 : 2 .