تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
له ذرّيّة يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا . فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقّها إلى ذرّيّة خليفته دونه ، وأخرج منه خليفته . وهذا التأويل وإن كان مخالفا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه ، فموافق له من وجه . فأمّا موافقته إيّاه فصرف متأوّليه إضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة . وأمّا مخالفته إيّاها فإضافتهم الخلافة إلى آدم بمعنى استخلاف اللّه إيّاه فيها ، وإضافة الحسن الخلافة إلى ولده بمعنى خلافة بعضهم بعضا ، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم ، وإضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء إلى الخليفة . والّذي دعا المتأوّلين قوله :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
في التأويل الّذي ذكر عن الحسن إلى ما قالوا في ذلك ، أنّهم قالوا : إنّ الملائكة إنّما قالت لربّها إذ قال لهم ربّهم :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
إخبارا منها بذلك عن الخليفة الّذي أخبر اللّه - جلّ ثناؤه - أنّه جاعله في الأرض لا غيره ؛ لأنّ المحاورة بين الملائكة وبين ربّها عنه جرت . قالوا : فإذا كان ذلك كذلك ، وكان اللّه قد برّأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدماء وطهّره من ذلك ، علم أنّ الّذي عني به غيره من ذرّيّته ، فثبت أنّ الخليفة الّذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هو غير آدم ، وأنّهم ولده الّذين فعلوا ذلك ، وأنّ معنى الخلافة الّتي ذكرها اللّه إنّما هي خلافة قرن منهم قرنا غيرهم لما وصفنا . وأغفل قائلوا هذه المقالة ومتأوّلو الآية هذا التأويل سبيل التأويل ، وذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربّها :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
لم تضف الإفساد وسفك الدماء في جوابها لربّها إلى خليفته في أرضه ، بل قالت :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ،
وغير منكر أن يكون ربّها أعلمها أنّه يكون لخليفته ذلك ذرّيّة يكون منهم الإفساد وسفك الدماء ، فقالت : يا ربّنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ كما قال ابن مسعود وابن عبّاس ، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل « 1 » . * * * وهناك قول بأنّ اللّه هو أعلمهم بذلك ، كما في الحديث عن قتادة : [ 2 / 954 ] أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
قال : كان اللّه أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك قوله :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها .
هامش
( 1 ) الطبري 1 : 287 - 290 .