تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وحتّى لو أنّ الوابل لم يصبها فإنّ فيها من الخصب والاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزّها ويحييها :
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ
( مطر ناعم خفيف ) . وبعد فإنّ الآية ترسم مشهدا كاملا مؤلّفا من منظرين متقابلين شكلا ووضعا وثمرة . وفي كلّ منظر جزئيّات يتّسق بعضها مع بعض من ناحية فنّ الرسم وفنّ العرض ، ويتّسق كذلك مع ما يمثّله من المشاعر والمعاني الّتي رسم المنظر كلّه لتمثيلها وتشخيصها وإحيائها . نحن في المنظر الأوّل أمام قلب صلد
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .
فهو لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته . ولكن يغطّي هذه الصلادة بغشاء من الرياء . هذا القلب الصلد المغشيّ بالرياء يمثّله
صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ
صخر لا خصب فيه ولا ليونة ، يغطّيه تراب خفيف يحجب صلادته عن الأعين ، كالرياء يحجب صلادة القلب العاري عن الإيمان .
فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً .
فقد ذهب المطر الغزير بالتراب اليسير . فانكشف الصخر بجدبه وقساوته ، ومن غير أن يثمر شيئا . أمّا المنظر الثاني ، فقلب عامر بالإيمان ، نديّ ببشاشته ، ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه . ينفقه عن ثقة ثابتة في الخير ، نابعة من الإيمان ، عميقة الجذور في الضمير . وهكذا قلب تمثّله جنّة خصبة عميقة التربة ذات البركة . فإذ كان الوابل هناك في المنظر الأوّل قد ذهب بغشاء التراب ، فإنّه هنا جاء ليخصب وينمي ويثمر وينتشل ببركات الأرض .
أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ
أحياها كما يحيي الصدقة - في سبيل رضا اللّه - قلب المؤمن فيزكو ويزداد صلة باللّه ، كما يزكو ماله ويضاعف له الحسنات . وحقّا إنّه المشهد الكامل ، المتقابل المناظر ، المنسّق الجزئيّات ، المعروض بطريقة معجزة التناسق والأداء ، الممثّل بمناظره الشاخصة لكلّ خالجة في القلب وكلّ خاطرة في النفس ، المصوّر للمشاعر والوجدانات بما يقابلها من الحالات والمحسوسات ، الموحي للقلب باختبار الطريق في يسر عجيب ! ولمّا كان المنظر مجالا للبصر والبصيرة من جانب ، ومردّ الأمر كلّه إلى كونه بعين اللّه وعلمه