تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
بالنسبة إليه تعالى . توضيحه : أنّ حروف الترجّي - والّتي منها « لعلّ » - إنّما وضعت للدلالة على أنّ ما قبلها لا يبلغ مبلغ العلّة التامّة لما بعدها . وإنّما هو في مرحلة الاقتضاء فحسب ، كما في قولك : تعلّم لعلّك تصبح عالما يستفيد منك الناس . إذا التعلّم ، غايته حصول العلم النافع للناس ، وهذا من الاقتضاء - عادة وعرفا - وليس كلّ من تعلّم بلغ هذه المرتبة حتميّا . وهذا المعنى لا ينبئ عن شكّ وترديد في نفس المتكلّم بهذا الكلام ، وإنّما هو بيان منه لهذا الاقتضاء الطبيعي حسب العادة المعهودة ، فقد يبلغه الساعي وقد لا يبلغه ولا يساعده التوفيق .
على المرء أن يسعى بمقدار جهده * وليس عليه أن يكون الموفّقا
وكلّ ما جاء في كلامه تعالى - من حروف الترجّي - جارية هذا المجرى ، حيث الخطاب عامّ ، وليس كلّ من عبد اللّه حصلت له حالة التقوى ، إلّا العارفين المخلصين وهم على خطر عظيم . انظر إلى قوله تعالى :
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 1 » . فكان العفو مظنّة الشكر ممّن وعى وتدبّر ، لا الّذي غوى وتبطّر . وقوله تعالى :
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
« 2 » حيث الغاية من بعثة نبيّ اللّه موسى عليه السّلام هو اهتداء قومه ، لو اعتبروا . وهكذا آيات أخرى كان التوقّع فيها بمعنى وجود المقتضي لولا الموانع ، لا أنّ نفسيّة صاحب الكلام كانت على وجل أو رجاء . فقوله عليه السّلام : « لعلّ في كلامه تعالى واجب » يريد : أنّ الأثر المتوقّع قد تمّت أسبابه من قبله تعالى ، وإن كان تحقّقه منوطا بشروط يقوم بها العباد ، لولا تقاعسهم المستوجب للحرمان . قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً
[ 2 / 606 ] أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
قال : هي فراش يمشى عليها ، وهي المهاد والقرار ،
وَالسَّماءَ بِناءً
قال : بنى
هامش
( 1 ) البقرة 2 : 52 . ( 2 ) البقرة 2 : 53 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 219 | الشيخ محمد هادي معرفة