تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
معايب الشعر أحيانا . غير أنّ للشعر جذبة ونغما يوجبان رواء الكلام وجمال البيان . ممّا يخصّ النظم المنسجم ، دون النثر المبعثر المنتثر . أمّا السجع فحدّث عن وفرة التكلّفات فيه ولا حرج . وإلّا فهو كلام جزل رصين . جاء القرآن ووضع صياغته على النثر أوّلا ، ولكن غير المبعثر ، بل أضفى عليه بعض أقراء النظوم الشعريّة « 1 » ، لكن لا بشكل مستوعب ومتزمّت فيه بحيث يسلب طلاقة الكلام . فجمع بين الطلاقة والنغم في صياغة واحدة ، الأمر الصعب الّذي استسهله القرآن . هذا ولم يتغافل ما في مزايا السجع الرصين ليقتنيها ، متجانبا عن التكلّفات الهجينة ، وفي القرآن من أنواع السجع البديع الشيء الكثير « 2 » . هذا هو سرّ إعجاز القرآن ، في جانب سبكه وأسلوبه الكلامي الجديد ، جامعا بين مزايا النثر والشعر والسجع ، في صياغة فذّة فريدة ، بعيدا عن معايب أنواع الكلام بأسرها جميعا . والعظمة للّه . * * * الوجه الثالث : نظامه الصوتي العجيب ! وهو جانب خطير من إعجاز القرآن البياني ، لمسته العرب من أوّل يومها ، فبهرتهم روعته ودهشتهم رنّته ، فأخضعهم للاعتراف في نهاية المطاف بأنّه كلام يفوق طوع البشر وأنّه كلام اللّه ! إنّه جانب « اتّساق نظمه وتناسب نغمه » وإيقاعاته الموسيقيّة الساطية على الأحاسيس ، والآخذة بمجامع القلوب . وهذا الجمال التوقيعي للقرآن يبدو جليّا لكلّ من يستمع إلى آياته تتلى عليه ، حتّى ولو كان من غير العرب ، فكيف بالعرب أنفسهم . وأوّل شيء تحسّه الآذان عند سماع القرآن هو ذا نظامه الصوتيّ البديع ، الّذي قسّمت فيه الحركات والسكونات تقسيما متنوّعا ومتوزّعا على الألحان الموسيقيّة الرقيقة ، فينوّع ويجدّد نشاط السامع عند سماعه ، ووزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغنّة توزيعا بالقسط ، يساعد على ترجيع الصوت به ، وتهاوي النفس فيه آنا بعد آن ، إلى أن يصل قمّتها في الفاصلة ، فيجد عندها راحته الكبرى ، على ما فصّله أساتذة الترتيل ! قال الأستاذ درّاز : ويجد الإنسان لذّة ، بل وتعتريه نشوة إذا ما طرق سمعه جواهر حروف
هامش
( 1 ) راجع : التمهيد 5 : 124 . ( 2 ) المصدر : 127 و 218 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 202 | الشيخ محمد هادي معرفة