تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
الأحسن من وجوهها ، إلى أن يأتوا بكلام مثله ! وإنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حامل ، ومعنى قائم به ، ورباط لهما ناظم . وإذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتّى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشدّ تلاؤما وتشاكلا من نظمه ! وأمّا المعاني فلا خفاء - على ذي عقل - أنّها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها ، والترقّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها . وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام « 1 » ، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع منه ، فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير ، الّذي أحاط بكلّ شيء علما وأحصى كلّ شيء عددا . قال : فالقرآن إنّما صار معجزا ، لأنّه جاء بأفصح الألفاظ ، في أحسن نظوم التأليف ، مضمّنا أصحّ المعاني . قال : وعمود هذه البلاغة الّتي تجمع لها هذه الصفات ، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ الّتي تشتمل عليها فصول الكلام ، موضعه الأخصّ الأشكل به ، الّذي إذا أبدل مكانه غيره ، جاء منه إمّا تبدّل المعنى ، الّذي يكون منه فساد الكلام ، وإمّا ذهاب الرونق ، الّذي يكون معه سقوط البلاغة « 2 » . وتابعه على ذلك ابن عطيّة ، قال : وجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما ، وأحاط بالكلام كلّه علما . فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن ، علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى ، ويتبيّن المعنى دون المعنى ، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره . والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم بالضرورة أنّ أحدا من البشر لا يحيط بذلك . وبهذا جاء النظم القرآني في الغاية القصوى من الفصاحة . قال : وكتاب اللّه - سبحانه - لو نزعت منه لفظة ، ثمّ أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد « 3 » .
هامش
( 1 ) يعني بها : النثر والنظم والسجع . ( 2 ) بيان الإعجاز - ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن : 21 - 37 ؛ التمهيد 5 : 23 - 26 . ( 3 ) مقدمة تفسيره ( المحرّر الوجيز 1 : 52 ) . راجع : الجزء الخامس من التمهيد .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 199 | الشيخ محمد هادي معرفة