تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
القرآن ، خارجة من مخارجها الشحيحة ، من نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها : هذا ينقر ، وذاك يصفر ، وثالث يهمس ، ورابع يجهر ، وآخر ينزلق عليه النفس ، وآخر يحتبس عنده النفس . فترى الجمال النغمي ماثلا بين يديك في مجموعة مختلفة ولكنّها مؤتلفة ، لا كركرة ولا ثرثرة ، ولا رخاوة ولا معاظلة ، ولا تناكر ولا تنافر ، وهكذا ترى كلاما ليس بالبدويّ الجافي ولا بالحضريّ الفاتر ، بل هو ممزوج مؤلّف من جزالة ذاك ورقّة هذا ، مزيجا كأنّه عصارة اللغتين وسلالة اللهجتين . نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظي ، وليس الشأن في هذا الغلاف إلّا كشأن الأصداف ، تتضمّن لآلي نفيسة ، وتحتضن جواهر ثمينة . فإن لم يلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين ، ولم تحجبك بهجة الستار عمّا وراءه من السرّ المصون ، ففليت القشرة عن لبّها ، وكشفت الصدفة عن درّها ، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى تلك الفخامة المعنويّة ، تجلّى لك ما هو أبهى وأبهر ، ولقيت منه ما هو أبدع وأروع . تلك روح القرآن وحقيقته ، وجذوة موسى الّتي جذبته إلى نار الشجرة في شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة ، فهناك نسمة الروح القدسيّة :
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
« 1 » . وقال الأستاذ الرافعي : كان العرب يتساجلون الكلام ويتقارضون الشعر ، وكان أسلوب الكلام عندهم واحدا : حرّا في المنطق وجزلا في الخطاب ، في فصاحة كانت تؤاتيهم الفطرة وتمدّهم الطبيعة ، فلمّا ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة ، ليس فيها إعنات ولا معاياة . ووجوه تركيبه ونسق حروفه ونظم جمله وعبائره ، ما أذهلهم هيبة وروعة ، حتّى أحسّوا بضعف الفطرة وتخلّف الملكة . ورأى بلغاؤهم جنسا من الكلام غير ما هم فيه ، رأوا حروفه في كلماته ، وكلماته في جمله ، ألحانا نغميّة رائعة ، كأنّها لائتلافها وتناسقها قطعة واحدة ، قراءتها هي توقيعها ، فلم يفتهم هذا المعنى وكان أبين لعجزهم . وكلّ الّذين يدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسيّة يرون أن ليس في الفنّ العربيّ بجملته شيء يعدل هذا التناسب الطبيعي في ألفاظ القرآن وأصوات حروفه . وما أحد يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفا واحدا . والقرآن يعلو على الموسيقى ؛ إنّه مع هذه الخاصيّة العجيبة ليس من الموسيقى .
هامش
( 1 ) القصص 28 : 30 . راجع : النبأ العظيم للأستاذ درّاز : 94 - 99 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 203 | الشيخ محمد هادي معرفة