الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً »
« 1 » . إلى غيرهن من آيات كثيرة بنفس المضمون . « 2 » قال الإمام الرازي : إعلم أنّ هذا هو العلامة الثالثة لقيام القيامة ، وهي تسيير الجبال . « 3 » وقال سيّدنا الطباطبائي قدس سره : بما أنّ الآية واقعة في سياق آيات القيامة ، ومحفوفة بها فهي تصف بعض مشاهد ذلك اليوم الرهيب ، ومن جملتها تسيير الجبال . وقوله : « وتَرى الجِبال » تمثيل لتلك الواقعة ، نظير قوله :
« وَتَرَى النَّاسَ سُكارى »
« 4 » أي تلك حالتها المشهودة في ذلك اليوم العصيب لو كنت شاهدها « 5 » .
لكن لحن الآية ذاتها تأبى هذا الحمل ، ولا سيّما مع تذييلها بقوله :
« صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ »
. الأمر الذي يدلّ على أنّها بصدد بيان مظهر من مظاهر قدرته تعالى ولطيف صنعه . وقضية السياق موهونة - بعد ملاحظة ما قدّمنا في الجزء الأول - من أنّ ترتيب الثبت الحاضر لا يدلّ على نزولها تِباعاً بلا فترة زمان .
2 - وقال بعضهم : إنّها الحركة الجوهرية ، وإنّ ما في الوجود يسير قدماً نحو الكمال المطلق ، سواء أكان إنسانا
« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ »
« 6 » أم حيواناً أم نباتاً أم جماداً
« كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ »
« 7 » .
قال سيّدنا الطباطبائي : قد تحمل الآية على الحركة الجوهرية ، وأنّ الأشياء كلّها ، ومنها الجبال ، تتحرّك بجوهرها إلى غاية وجودها ، وهي حشرها ورجوعها إلى اللَّه سبحانه . قال :
وهذا المعنى يناسبه التعبير بقوله : « تَحسبُها جامِدة » لأنّ الجمود هو السكون المحض ، في حين أنّها في تحوّل وتنقّل ، هادفةً ساحة قدسه تعالى ! قال : وهذا المعنى أنسب من المعنى
هامش
( 1 ) . النبأ : 20 .
( 2 ) . مريم : 90 ، الواقعة : 5 ، الحاقّة : 14 ، المعارج : 9 ، المزّمّل : 14 ، المرسلات : 10 .
( 3 ) . التفسير الكبير : ج 24 ص 220 .
( 4 ) . الحجّ : 2 .
( 5 ) . الميزان : ج 15 ص 440 .
( 6 ) . الانشقاق : 6 .
( 7 ) . الأنبياء : 93 .