لا يقع جوابه إلّامنفيّاً . فإنّه واضح الظهور في أنّ « لا » - الداخلة على حرف القسم - نافية ، موطّئة لنفي الجواب تأكيداً . وسبيلها سبيل قوله تعالى :
« فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ »
« 1 »
.
وعليه فالداخلة على فعل القسم ، محض نفي للإقسام ، إعظاماً للمقسم به . وليس لتوكيد النفي في الجواب ، كما في البيتين ، حتى يرد عليه : أنّ الجواب في أكثرها إيجابي لا نفي فيه كي يتأكّد .
أمّا الداخلة على حرف القسم فهو لتأكيد النفي في الجواب ، ولابدّ أن يكون الجواب في مثله سلبيّاً ، كما رأيت .
وامّا قوله :
« لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ . . . »
« 2 » فالغاية فيها : أن لا يعلموا ، لا أن يعلموا . فهو نظير قوله تعالى :
« وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً »
« 3 »
.
ذهب جمهور المفسّرين إلى القول بزيادة « لا » وأنّ الكلام في سياق الإيجاب .
وهكذا قرأ عبداللَّه بن مسعود بإسقاط « لا » : « لكي يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون » .
قال الفرّاء : والعرب تجعل « لا » صلةً في كلّ كلام دخل في آخره جحد أو في أوّله جحد غير مصرّح . فهذا ( في هذه الآية ) ممّا دخل آخره الجحد ، فجعلت « لا » في أوّله صلة . وأمّا الجحد الذي لم يصرّح به فقوله - عزّ وجلّ - :
« ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ » .
« 4 »
وزاد الطبرسي :
« وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ »
« 5 » .
« وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ »
« 6 »
.
قال العلامة البلاغي : ولكنّ الصواب قد أخذ بيد جماعة ففهموا من الآيات أنّ « لا » غير
هامش
( 1 ) . النساء 4 : 65 .
( 2 ) . الحديد 57 : 29 .
( 3 ) . النحل 16 : 70 والحج 22 : 5 .
( 4 ) . الأعراف 7 : 12 . راجع : معاني القرآن للفرّاء ، ج 3 ، ص 137 .
( 5 ) . الأنعام 6 : 109 .
( 6 ) . الأنبياء 21 : 95 . راجع : مجمع البيان ، ج 9 ، ص 244 . هذه الزيادة أخذها من موضع آخر من تفسير الفرّاء ( ج 1 ، ص 374 ) .