رعاية المناسبة القريبة
وهنا نكتة دقيقة قد تُلفت النظر ، هي رعاية المناسبة القريبة بين المقسم به والمقسم عليه ، « 1 » زيادةً على التناسب في أصل الثبات والاستحكام . الأمر الذي نلحظه في القَسَم القرآني بوضوح :
خذ لذلك مثلًا قوله تعالى :
« وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ . . . »
« 2 »
.
في هذه الآيات إشارة إلى أهمّ مهابط وحي اللَّه : جبل القدس ، طور سيناء وغار حراء .
كانت مباعث أنبياء عظام : عيس المسيح ، موسى الكليم ونبيّ الإسلام عليهم السلام .
هذا في طرف المقسم به ، أمّا المقسم عليه فهو خَلْق الإنسان في جبلّته الأولى ، سليماً ، سويّاً ، مفطوراً على أحسن تقويم .
فكما أنّ الانحراف في شرائع اللَّه ، أمر عارض معاكس لنشأتها الأولى ، كذلك الانحطاط في خُلُق الإنسان ، أمر غريب عن فطرته الأولى الّتي خلقه اللَّه عليها . فليعمل الإنسان للثبات على فطرته ، جاهداً دون الانخراط في حبائل الشيطان .
وقوله تعالى :
« قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ »
« 3 » . فالتناسب هنا تناسب الضدّ ، نفياً للشرك في العبوديّة والربوبيّة لغير اللَّه ربّ العالمين .
وقوله تعالى :
« وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ »
« 4 » . فكما أنّ وقت العصر من النهار ، آخذ في الأفول ، كذلك الإنسان الكاسل متأرجح نحو الكساد والخمول .
وقوله تعالى :
« فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ »
« 5 » . ما أبدع هذا التشبيه ، والقرآن العظيم أشبه ما يكون بمواقع النجوم
« وَبِالنَّجْمِ هُمْ
هامش
( 1 ) . بمقتضى كون القسم نوعاً من التشبيه الكامل ، والتناسب أساس التشبيه .
( 2 ) . التين 95 : 1 - / 5 .
( 3 ) . الأنعام 6 : 23 .
( 4 ) . العصر 103 : 1 - / 2 .
( 5 ) . الواقعة 56 : 75 - / 77 .