ائْتُونِي بِهِ »
« 1 » .
فكان قوله « وَقالَ المَلِكُ . . . » واقعاً بعد تقدير جمل ، كأنّه قال : فرجع الرسول إليهم ، فأخبرهم بمقالة يوسف ، فعجبوا لها ، وقال الملك . . .
قال ابن الأثير : والمحذوف إذا كان كذلك دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة ، لأنّه إذا ثَبَتَت حاشيتا الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف ظهوراً تامّاً .
قال : ومن الإيجاز بحذف الجمل ما يعسر تقدير المحذوف منه ، بخلاف ما جاء في القرآن الكريم ، ألا ترى أنّ الآيات المذكورة كلّها إذا تأمّلتها وجدتَ معانيها متّصلة من غير تقدير للمحذوفات التي قدّرنا الحذف فيها ، انتظاماً لظاهر نظم الكلام ، على أنّ تقدير تلك المحذوفات سهل ببديهة النظر « 2 » .
فوائد الحذف
منها : مجرّد الاختصار والاحتراس عن العبث لظهوره .
ومنها : التنبيه على أنّ الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف ، وأنّ الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت الأهم - كما في بابي التحذير والإغراء - وقد اجتمعا معاً في قوله تعالى :
« ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها »
« 3 » ف « ناقة اللَّه » تحذير ، بتقدير : ذروا ، و « سقياها » إغراء ، بتقدير : إلزموا .
ومنها : التفخيم والإعظام ، لما فيه من الإيهام . فقد يحذف الشيء وتترك النفس تجول لتعثر عليه بباعث حبّ الاستطلاع ، فيدعو ذلك إلى الاهتمام به . ولهذا القصد يؤثر الحذف في مواضع يراد فيها التعجّب والتهويل على النفوس .
ومنه قوله تعالى - في وصف أهل الجنّة - :
« حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها . . . »
« 4 » فحذف الجواب لدلالة فحوى الكلام على عظم الكرامة التي يلقونها حينذاك . فقد ضاق
هامش
( 1 ) . يوسف : 47 - 50 .
( 2 ) . المثل السائر : ج 2 ص 291 .
( 3 ) . الشمس : 13 .
( 4 ) . الزمر : 73 .