ثم بيّن الشيء الذي خلق منه « من نطفةٍ خلقه فقدّره » أي هيّأه لما يصلح له .
« ثمّ السبيل يسّره » أي سهّل سبيله ، وهو مخرجه من بطن امّه . أو السبيل الذي يختار سلوكه في الحياة من خير أو شر .
« ثمّ أماته فأقبره » أي جعله ذا قبر يوارى فيه .
« ثمّ إذا شاء أنشره » أي أحياه ليوم النشور .
« كلّا » ردع لهذا الإنسان الكفور ، العاتي ، العاصي لأمر ربّه الكريم .
« لمّا يقض ما أمره » أي لم يقض مع تطاول عهده بالتكليف . يعني أنّ إنساناً لم يخل من تقصير قطّ .
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك ، لأنك كنت ذهبت بجزءٍ من معناه ، ولأخللت باسٍّ من أسس المقصود . فللَّه درّه من كلام وجيز بليغ .
قال ابن الأثير : والإيجاز هو أن لا يمكنك أن تسقط شيئاً من ألفاظه « 1 » .
والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة كقوله تعالى :
« فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ »
« 2 » .
ما أجمل هذا الكلام وأكمله وأوفاه ، في حين وجازته البالغة .
فقوله : « فَلَهُ ما سَلَف » من جوامع الكلام ، ومعناه : أنّ خطاياه الماضية قد غُفرت له ، وتاب اللَّه عليه فيها . إلّاأنّ قوله : « فَلَهُ مَا سَلَف » أبلغ . . . أي أنّ السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنّما هو له أي موهوب له .
وكذلك ورد قوله :
« فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ »
« 3 » .
فقوله : « فَعَلَيهِ كُفرُه » كلمة جامعة ، تغني عن ذكر ضروب من العذاب ، لأنّ من أحاط به
هامش
( 1 ) . المثل السائر : ج 2 ص 348 .
( 2 ) . البقرة : 275 .
( 3 ) . فاطر : 39 .