أولًا : لو كانت سنّة اللَّه أن يعجّل للناس الشرّ إذا استعجلوه كاستعجالهم بالخير لعجّل لهم بالشرّ كما يعجّل لهم بالخير .
ثانياً : لكن سنّته تعالى جرت بإمهال الظالمين حتّى يحين حينهم .
ثالثاً : فعلى وفق هذا النظام الرتيب يُترك الظالمون وشأنهم في هذه الحياة حتّى يأتي يومهم الموعود .
تلك جمل ثلاث كان الكلام في وضعه العادي مؤتلفاً منها ، اثنتان مقدّمتان ، والثالثة هي النتيجة ، على شكل برهان . لكن القرآن اقتصر على الجملة الأولى والأخيرة ، طاوياً ذكر الثانية الوسطى ، والتي كانت جملة استدراكية حسب الترتيب المنطقي المألوف .
وبعد ، أفهل يحسّ بنقص في الكلام ، أو بخلل في نظمه وتأليفه ؟ أم هو كلام واحد منسجم تمام الانسجام ووافٍ بإفادة الغرض من الكلام تمام الإيفاء ؟
ولعلّك عرفت البديل من المحذوف المطويّ ، هي دلالة « لو » الامتناعية في صدرر الكلام و « فاء » النتيجة في ذيله . وهذا البديل أغنى عن ذكر المحذوف ، ولعلّه أنساه من طيّ الكلام بالمرّة ، ولو ذكر لكان حشواً .
ومن ثمّ عيب على بيت الحماسي قوله :
ولو طار ذو حافر قبلها * لطارت ولكنّه لم يطر
إذ لا حاجة إلى ذكر الاستثناء بعد وضوحه ودلالة الكلام عليه .
وأبرع الإيجاز ما كان بحذف الجمل التامّة ، هي أسؤلة مقدّرة أو تعاليل وأسباب ومسبّبات أو غير ذلك ممّا فصّله علماء البيان « 1 » .
من ذلك قوله تعالى :
« قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ . وَقالَ الْمَلِكُ
هامش
( 1 ) . راجع المثل السائر : ج 2 ص 281 .